أحمد بن يحيى العمري
367
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وخلجان تجري بعضها إلى بعض في دائم الأوقات ، والرياح والغيوم والأمطار لا تنقطع عنها في شيء من الأوقات ، ولكن في أماكن مختلفة البقاع شرقا وغربا وجنوبا وشمالا ، مثل الليل والنهار ( 113 ) والصيف والشتاء ، وفي بلدان شتى . والمعادن والنبات والحيوان قائم في الكون والفساد ، فما في الأرض موضع إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان ، باختلاف صورتها ومزاجها وأجناسها وألوانها وأنواعها لا يعلم تفصيلها إلا الله ، وهو صانعها ومدبرها ، وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ، ويعلم ما في البر والبحر ، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ، إلّا في كتاب مبين . تتمة لا تقطع السياق فالذي يعتمد عليه جماهيرهم ، أن الأرض مدورة كالكرة موضوعة في جوف الفلك كالملح في البيضة ، وأنها في الوسط ، ولا ينكر هذا إلّا جاهل بالبرهان والعقل ، هكذا وضعها الحكيم العليم ، وبعدها في الفلك من جميع الجوانب على التساوي ، هذا هو الحق . وزعم هشام بن الحكم المتكلم « 1 » أن تحت الأرض جسما من شأنه الارتفاع . قال : وهو المانع للأرض من الانحدار ، وهو ليس محتاجا إلى ما يعمده ، لأنه ليس يطلب الانحدار بل الارتفاع . وقال أبو الهند : إن الله وقفها بلا عماد . وعلّله ديمقراطيس بأنها تقوم على الماء ، وقد حصر الماء تحتها حتى لا تجد مخرجا فتضطر إلى استقلال ، وهذا الرأي قريب من رأي هشام بن الحكم . وقال بعض المتكلمين
--> ( 1 ) : هو هشام بن الحكم الشيباني بالولاء ، الكوفي ، ولد بالكوفة ، ونشأ في واسط ، وسكن بغداد . له مؤلفات ، منها : اختلاف الناس ، الدلالات على حدوث الأشياء ، الرد على الزنادقة ، وغير ذلك ، وتوفي بالكوفة سنة 199 ه . ينظر ابن النديم : الفهرست ج 1 ص 176 والزركلي : الأعلام ج 9 ص 82 .