أحمد بن يحيى العمري

368

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

إنها واقفة على الوسط ، على مقدار واحد من كل جانب ، والفلك يحد بها من كل وجه ، فلذلك لا تميل إلى ناحية من الفلك دون أخرى ، لأن قوة الأجزاء مكافئة ؛ مثال ذلك حجر المغناطيس وجذبه الحديد ، فإن الفلك بالطبع مغناطيسيّ للأرض ، فهو يجذبها ، فإذا كان كذلك فهي واقفة في الوسط كقنديل النصارى . ومنهم من قال إنها واقفة في الوسط ، وسبب وقوفها سرعة تدوير ( 214 ) الفلك ودفعه إياها من كل جهة إلى الوسط ، من ذلك أنك إذا جعلت ترابا أو حجرا في قارورة ، وأديرت بقوة في الحرط « 1 » والتدوير ، فإن التراب والحجر المذكورين يقوم في الوسط . وقال محمد بن أحمد الخوارزمي « 2 » : الأرض في وسط السماء ، والوسط هو السفل بالحقيقة « 3 » ، وأنها مدورة مضرّسة من جهة الجبال البارزة والوهاد الغائرة ، وذلك لا يخرجها عن الكرة إذا اعتبرت جملتها ، لأن مقادير الجبال ، وإن شمخت ، يسيرة بالقياس إلى كرة الأرض ، فإن الكرة التي قطرها ذراع أو ذراعان ، إذ نتأ منها شيء أو غار فيها ، لا يخرجها عن الكرة ولا هذه التضاريس ، لإحاطة الماء بها من جميع جوانبها وغمرها ، بحيث لا يظهر منها شيء ، فحينئذ تبطل الحكمة المودعة في المعادن والنبات والحيوان ، فسبحان من لا يعلم أسرار حكمه إلّا هو .

--> ( 1 ) : كذا في الأصل ، ويمكن أن تكون : الخرط ، وهو جذب الشيء . ( 2 ) : هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الكاتب الخوارزمي ، المتوفى سنة 387 ه ، وله : مفاتيح العلوم . كحالة : معجم المؤلفين ج 9 ص 29 . ( 3 ) : الذي في كتاب مفاتيح العلوم للخوارزمي ص 132 ما نصه " ووسط السماء هو البرج الذي يتوسط السماء ، ووتد الأرض نظيره ، وهو الذي تحت وسط السماء "