أحمد بن يحيى العمري

333

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

المقالة الرابعة من هذا الكتاب « 1 » ، قولا لا يحتاج معه من كان قد نظر فيه نظر عناية واهتمام إلا إلى التذكرة فقط ، فمتى وصفت لك كيفية الملح في المذاقة والطعم وعرفتك « 2 » قوته على المكان . ومن شأن الكيفية المالحة أن تجمع وتحل مع « 3 » جوهر الجسم الذي تدنو منه . وإنما ( 189 ) الخلاف بين الملح وبين البورق الإفريقي ، أن البورق الإفريقي إنما الغالب عليه طعم واحد فقط ، وهو الطعم المر البين فيه ، وقوة ما هو من قوة محللة ، وليس له قوة تجمع جوهر الجسم الذي يلقاه فيما هو منه رطب ، حتى لا تدع فيه شيئا البتة « 4 » منه ، ويجمع باقي جوهره الصلب بقبضه ، ولذلك صار الملح يجفف الأجسام التي تعفن ، وإنما تعفن من قبل رطوبة فيها فضل ، وجوهرها جوهر منحل غير كثير « 5 » ، وبهذا السبب صارت الأجسام التي فيها رطوبة فضل بمنزلة العسل الفائق ، والأجسام التي جرمها كبير « 6 » ، بمنزلة الحجارة ليس يمكن أن تعفن . والملح بهذا السبب ليس يمكن أن يستعمل في هذه الأجسام ، لكن في الأجسام التي يخاف عليها أن تعفن . فأما المحرّق من الملح فله من التحليل أكثر ما للملح الذي لم يحرق ، وجرمه أيضا يصير ألطف بسبب القوة التي اكتسبها من النار ، كما يعرض لسائر ما يحرق من جميع الأشياء على ما بينا ، ولكنه ليس يمكن فيه أن يجمع ، ويكثر جوهر الجسم الصلب الذي يلقاه كما يفعل الملح الذي لم يحرق .

--> ( 1 ) : هي المقالة الرابعة من ط لا من هذا الكتاب . ( 2 ) : في الأصل : عرف . ( 3 ) : في ط : معا ، والسياق يأباه . ( 4 ) : في الأصل : بتة . ( 5 ) : في الأصل : كبير ، ورجحنا ما في ط . ( 6 ) : في ط : كثيف .