أحمد بن يحيى العمري

334

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وقال في موضع آخر قبله : وأما الملح المتولد في البحيرة المنتنة المعروفة ببحيرة الزفت ، وهي بحيرة مالحة في غور « 1 » بلاد الشام ، ويسمى ملح سدوم باسم الجبال المحيطة بالبحيرة ، وهي بلاد سدوم ، فقوته قوة تجفف أكثر من تجفيف سائر أنواع الملح ، وهي مع ذلك ملطّفة ، وذلك أن هذا الملح قد ناله من إحراق الشمس أكثر مما نال غيره من أنواع الملح ، وليس هو مر الطعم فقط ، لكنه مر المذاق ، وذلك لأن موضع هذه البحيرة موضع غائر تحرقه الشمس « 2 » ، وهو لهذا السبب في الصيف أشد مرارة منه في الشتاء ، فإن ألقيت في ماء هذه البحيرة ملحا لم يذب ، لأن الذي قد خالط ذلك الماء من الملح مقدار كثير ، وإن انغمس فيه إنسان تولد على بدنه عند خروجه ( 190 ) منه غبار رقيق من غبار الملح كالسورج « 3 » ، ولذلك صار ماء هذه البحيرة أثقل من كل ماء في مياه البحار ، ومقدار ثقله على مياه البحار كمقدار ثقل ماء البحر على مياه الأنهار ، ومن أجل ذلك إن أنت وقعت في ماء هذه البحيرة ثم رمت أن تغوص فيه إلى أسفل لم تقدر ، وإن أنت أخذت حيوانا فربطت يديه ورجليه ، وألقيته في ماء تلك البحيرة ، لم يغرق ولم يرسب ، لكثرة ما يخالط ماء هذه البحيرة من جوهر الملح الذي هو أرضي ثقيل . وقال ديسقوريدوس : وقوة الملح قابضة تجلو وتنقّي وتحلل وتقلع اللحم الزائد في القروح وتكوي ، وقد يمنع القروح الخبيثة من الانتشار ، وقد يقع في أخلاط أدوية الجرب . وقد تقلع اللحم النابت [ في العين ] « 4 » وتذيب الظفرة ، وقد

--> ( 1 ) : في الأصل : عود . ( 2 ) : في الأصل : السبب . ( 3 ) : نقل ط ج 2 ص 43 أن السورج شيء يتولد من البحر ، وهو جنس من الزبد ، ويتولد على المواضع الصخرية القريبة من البحر ، وله قوة مثل قوة الملح ، وقيل إنه ألطف من الملح بكثير . ( 4 ) : الزيادة من ط .