أحمد بن يحيى العمري

271

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

إلى المدينة ، وعجنت ذلك الطين ، وعملت منه طينا مختوما على العادة . فلما نظرت إلى ذلك ، رأيت أن أسأل : هل كان فيما مضى من الدهور أحد خلط في هذا الطين دم التيوس أو المعز ؟ فلما سألت ضحك مني جميع من سمع سؤالي ذلك وأنكروه إنكارا عظيما . ثم أحضر لي رجل من أهل تلك الجزيرة كتابا وضعه رجل كان في بلدهم من قديم الدهر ، يذكر فيه وجوه استعمال هذا الطين المذكور ومنافعه ، فدعاني ذلك الاجتهاد في تجربة هذا الدواء ، وترك التكاسل عنه ، وأخذت منه عشرين ألف قرص مختوم ؛ وكان ذلك الرجل يداوي به الجراحات فيدملها ، والقروح العتيقة العسرة الاندمال ، ويداوي به نهش الأفاعي وغيرها من الهوام . وكان يسقي من يخاف عليه أن يسقى شيئا من الأدوية القتالة ، ويسقى منه بعد شرب السم فينفعه . وكان يزعم أن الدواء المتخذ بحب الغار هو الذي يقع فيه الطين المختوم مقدارا ليس باليسير ، قد امتحنه فوجده يهيج القيء إذا شربه الإنسان والسم الذي يتناوله في معدته بعد . ثم جربت أنا أيضا ذلك فيمن شرب أرنبا بحريا ، وفيمن شرب الدراريج ، بالحدس مني عليهم أنهم قد شربوه ، فتقيؤا من ساعتهم السم كله من بعد شربهم الطين المختوم . ( 150 ) وقد يعرض لهم شيء من الأعراض اللاحقة لمن يتناول أرنبا بحريا أو دراريج ، ولما تقيؤا تبين في القيء ما كان قد شربوه من الأدوية القتالة . ولم يكن عندي علم من الدواء المتخذ بحب الغار « 1 » في الطين المختوم ، هل معه دفع الأدوية القتالة ؟ وقد ضمن ذلك الرجل المذكور عن تجربة له . وزعم أيضا أنه سقي من قد عضه الكلب الكلب بشراب ممزوج ؛ وكان يزعم أنه يطلى على

--> ( 1 ) : في ط : بحب العرعر .