أحمد بن يحيى العمري

208

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

فقال : وما هو ؟ قال : وزير يكون وزيرا ابن وزير كما أنك خليفة بن خليفة بن خليفة . فقال : هل تعرف وزيرا هذه صفته ؟ فقال : نعم جعفر بن برمك ، فإنه ورث الوزارة أبا عن جد إلى زمن أزدشير ، ولهم كتب مصنفة في الوزارة يعلمونها لهم ، لا يصلح لوزارتك غيره . فكتب سليمان إلى والي بلخ وأمره بإرسال جعفر إلى دمشق بالإعزاز والتجمّل ، وإن احتاج إلى مائة ألف دينار . فلما وصل إلى دمشق ، ودخل على سليمان وقبّل الأرض ، رأى سليمان صورته فاستحسنها ، ( 109 ) وتحرك له ، وأمره بالجلوس بين يديه ؛ فما كان إلا يسيرا حتى عبس سليمان وجهه ، وقال : لا حول ولا قوة إلا بالله ! قم من عندي ، فأقامه الحاجب ، وخرج به من عنده . ولم يعرف أحد سبب ذلك ، حتى خلا سليمان بندمائه ، فقال بعضهم : يا أمير المؤمنين ! طلبت جعفر من خراسان بإعزاز فلما حضر أبعدته ! قال : لولا أنه جاء من أرض بعيدة لضربت عنقه ، لأنه حضر بين يدي ومعه السم القاتل . قال ذاك القائل : أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أكشف هذا ؟ فأذن له ، فذهب إلى جعفر ، وقال : إنك لما حضرت عند أمير المؤمنين كان معك شيء من السم ؟ قال : نعم ! وهو معي الآن تحت فص خاتمي هذا ، لأن آبائي احتملوا من الملوك مشاقّ كثيرة لما طلبوا منهم الأموال وعذبوهم بأنواع العذاب ، فإني خشيت أن أكلف شيئا مما كلفوا أولئك ولا يكون لي به طاقة ، فعند ذلك أمص خاتمي هذا واستريح من إهانتهم وعذابهم .