أحمد بن يحيى العمري
209
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فرجع النديم إلى سليمان وأخبره بما سمع من جعفر ، فتعجب سليمان من حزمه وفطنته ونظره في العواقب ، فأمر بإحضاره مرة أخرى بطريق الإجلال ، وأقعده إلى جنبه ، وخلع عليه خلعة الوزارة ، ووضع الدواة بين يديه ، حتى وقع بحضور سليمان عدة توقيعات . فلما أتى على ذلك مدة وانبسط جعفر في خدمة سليمان سأله في بعض الأيام ، وقال : كيف عرف أمير المؤمنين السم مع العبد ؟ فقال له : معي خرزتان شبيهتان بالجزع لا أفارقهما أبدا ، من خاصيتهما أنهما يتحركان من السم إذا حضرتا في مكان فيه سم ، فلما دخلت عليّ تحركتا ، وحين قعدت بين يديّ اضطربتا ، فكانت تقع إحداهما على الأخرى ، فلما قمت من عندي سكنتا . ثم أخرجهما وعرضهما على جعفر ، وكانتا خرزتين كالجزع . قلت « 1 » : أما هذا جعفر بن برمك فمنكور عندي ، وإنما جعفر هو ابن يحيى ابن خالد بن برمك ، ولم يكن تلك الأيام أبوه موجودا فضلا ( 110 ) عنه . والمشهور أن خالد بن برمك هو الذي خدم بني أمية . وأما هذا الحجر فلا نعرفه في زماننا ، وإنما المشهور أن قرنا يعرف بالخرتون « 2 » هو الذي يتحرك للسموم . وحكى لي والدي : أنه رأى في يد إسماعيل بن العلم ناظر الصاغة نصاب سكين منه . وحكى : أنه كان نصاب سكين عند الصاحب تاج الدين بن حنا .
--> ( 1 ) : القول للمؤلف . ( 2 ) : كذا في الأصل ، وقال الأب أنستاس ماؤي الكرملي إنها ( الخرتوت ) وضبطها بفتح الخاء المعجمة ، وإسكان الراء ، وضم التاء المثناة الفوقية ، يليها واو ساكنة ، فتاء مبسوطة ، بحسب النسخة الخطية التي اعتمدها في نشر كتاب ( نخب الذخائر في أحوال الجواهر لابن الأكفاني ) وذكر أن الكلمة يونانية الأصل من keratoeides أي مادة شبيهة بالقرن . نخب الذخائر ص 79 - 82 .