أحمد بن يحيى العمري

155

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

[ الكلام على المعادن ] « 1 » فنقول لابد من تقديم مقدمة قبل الكلام على المعادن تكون كالتوطئة لما سنتكلم عنه من بعد . لا شك أن الأجسام المتولدة إما أن تكون نامية أو لا تكون ، فإن لم تكن فهي المعدنيات ، وإن كانت نامية فإما أن يكون لها قوة الحس والحركة أو لا ؛ فإن لم تكن فهي النبات ، وإن كانت فهي الحيوان . وزعم كثير من الحكماء أن أول ما يستحيل إليه الأركان الأبخرة والعصارات ، والبخار هو ما يصعد من لطائف مياه البحار والآبار والآجام من تسخين الشمس ، والعصارات تنجلب في باطن الأرض من مياه الأمطار ، وتختلط بالأجزاء الأرضية وتغلظ ، وتنضجها الحرارة المستنبطة في عمق الأرض فتصيرها مادة للمعادن والنبات والحيوان ، وقد مضى بعض ترتيب ذلك ، وهي متصلة بعضها ببعض بترتيب عجيب ونظام بديع لا يعقله إلا العالمون بالله . فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا . فأول مراتب الكائنات تراب وآخرها نفس ظاهرة مليكة ، فالمعادن أولها متصل بالتراب والماء ، وآخرها بالنبات ، متصل أوله بالمعادن وآخره بالحيوان ، والحيوان متصل أوله بالنبات وآخره ( 75 ) بالإنسان [ والإنسان ] متصل أوله بالحيوان وآخره بالملائكة . بيان ذلك : إن أول المعادن هو الجص ، [ والجص ] مما يلي التراب أو الملح ، [ والملح ] مما يلي الماء . والجص تراب رملي حصل به بلل من الأمطار فانعقد فصار جصا ، والملح ما امتزج بأجزاء سبخة من الأرض فانعقد ملحا ، وآخر المعادن مما يلي النبات الكمأة وما شاكلها ، وهو يتكون في التراب كالمعدن وينبت في مواضع ندية أيام الربيع من الأمطار وأصوات الرعد كما ينبت النبات ، ففيها شبه

--> ( 1 ) : العنوان يقتضيه السياق .