أحمد بن يحيى العمري

156

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

من المعدنيات لكونها لا ورق لها ولا ثمر ، وتشبه النبات لكونها نامية كما ينمو النبات . وأما النبات فأوله متصل بالمعدنيات وآخره بالحيوان ، أما أوّله وأدونه مما يلي التراب فخضراء الدمن والكمأة ، وآخرها وأشرفها مما يلي الحيوان النخل لأن خضراء الدمن ليس إلا غبار يتلبد من الأرض ، تصيبها بلل الأمطار ، فتصبح بالغدوات خضراء كأنها حشيش . فإذا أصابها حر الشمس جفّت ، ثم تصبح من الغد مثل ذلك من نداوة الليل وطيب النسيم . ولا تنبت الكمأة ولا خضراء الدمن إلا في زمن الربيع ، فأحدهما نبات معدني ، والثاني معدن نباتي . وأما النخلة فإن أحوالها مباينة لأحوال النبات لأن أشخاص الفحولة منه مباينة لأشخاص الإناث ، ولفحولته في إناثه لقاح كما في الحيوان ، وإذا قطع رأس النخلة يبست وبطل نموها كالحيوان . وبهذا الاعتبار ، وما تقدم في صفة النخلة ، وكونها تشبه الآدمي من الوجوه المتعددة المتقدمة ، بأن النخلة نبات حيواني . وأما الحيوان فأوله يشبه النبات ، لأن أدنى الحيوان ما ليست له إلّا حاسة واحدة من الحواس الخمس ، وهي اللمس ، [ و ] هو الحيوان المسمى بالحلزون وهو دودة في جوف أنبوبة حجرية توجد في السواحل ، وتلك الدودة تخرج نصف بدنها من جوف تلك الأنبوبة وتنشط يمنة ويسرة تطلب مادة تتغذى بها ، فإذا أحست برطوبة أو لين انبسطت ، وإن أحست ( 76 ) بصلابة انقبضت ودخلت في جوف الأنبوبة حذرا من مؤذ لجسمها ، وليس لها سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شم إلا اللمس فقط ، وهذا حال أكثر الديدان المتولد [ ة ] من الطين ، فهذا حيوان نباتي لأنه ينبت جسمه كما ينبت النبات . وأما مرتبة الحيوان الذي يلي الإنسان فالقرد ، لأن شكل جسده قريب من جسد الإنسان ، ونفسه تحاكي أفعال النفوس الإنسانية ؛ وكذلك الفرس الجواد ،