أحمد بن يحيى العمري

16

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

سراج ما برح لسانه يلهج ، وإحسانه في تجلية الظّلم ينهج ، طارت أجنحة ضرمه بالسّمعه ، وتوقّد منه السّراج وقد شرقت بالبكاء الشّمعه . وكان في شعراء ذلك العصر على توقّد جمهرتهم ، وتوقّي نيران أسرتهم ، هو المغشىّ ناره دون القبيلة ، والمشكور بما يعاب به غيره من طول الفتيله ، ولم نطمع تلك الرّياح الهوابّ في إمالة شعلته ، ولا في إماتة مصباحه ، ظمآن بغلّته « 1 » ، وكان لو قدح به زند الفجر لأنار ، أو استصبح « 2 » به اللّيل لما ميّزت ساعاته من

--> - ( لولا لقبك وصناعتك لذهب نصف شعرك ) والحق أن السراج كان شاعرا متمكنا يمتلك طاقة شعرية ضخمة ، وإحاطة كبيرة باللغة ، كان من جرائهما هذا الشعر السهل المتين المتنوع . وكان إلى جانب شاعريته الفذة ، حسن العشرة ، جميل الشمائل ، ولهذا لم يتعرض أحد من الشعراء بذم له أو نقد . وتفنن في قول الشعر ، فكان ينظم القصيد إلى جانب المقطعات . ولد في القرن الأخير من شوال سنة خمس عشرة وستمائة . وعمد ابن فضل الله العمري إلى ديوان السراج فاختار جملة كبيرة منه ، وكان هذا الاختيار متسقا مع حروف المعجم الذي كان عليه - كما يبدو - صنع الديوان . وكانت هذه الاختيارات مع أمثلة قليلة من نثره أكبر ما في هذا السفر ، إذ استغرقت ( 207 ) سبعا ومائتي صفحة . وكانت الاختيارات تترجم بين القصائد والمقطعات ، ومن الطريف أن قصيدته في رثاء حمار كانت أطول نص له في هذه الاختيار ، إذ بلغت ( 47 ) سبعة وأربعين بيتا ، وهي من القصائد النادرة في بابها طولا ومحتوى وسهولة . توفى السراج في جمادى الأولى من سنة خمس وتسعين وستمائة ، وقد قارب التسعين ، أو جاوزها بقليل ، ودفن بالقرافة . ينظر : فوات الوفيات 3 / 140 ، وعيون التواريخ وهو أحد الأجزاء التي لم يوضع لها رقم 207 ، والنجوم الزاهرة 8 / 83 وخزانة الأدب للحموي 244 ، 248 والزركشي 201 / ب والأعلام 5 / 224 . ( 1 ) - الغلّة : شدّة العطش وحرارته . ( 2 ) - استصبح : أوقد المصباح ، وبالزيت ونحوه : أمدّ به مصباحه .