أحمد بن يحيى العمري

103

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الأخلاق ، بهجاء لا يخلص منه إنسان ، ولا يخلو ربّ سيف ولا طيلسان . هذا مع كلمة بتصريف الأمر مقبولة ، وعظمة على الكبر مجبولة ، وهمّة نصبها على نقع في شركه ، وأحبولة تعرض إلى العرض الفاضليّ . واشتغل به زمانه ، وأشعل بيانه بنانه . فما قال لكلبه أخسّه إذ نبح ، ولا التفت إليه هجاء أو مدح . وتصدّى لأهل دمشق تصدّيا ، أدوى قلوب الجميع ، وآرى أذن كلّ سميع ، فقاموا لمقاومة سمّه ، ومقاحمة تمّه ، فآل به الحال إلى الهجاج ، واختراق الفجاج ، فتغلغل في البلاد ، ومني بالبعد عن موضع الميلاد . وطاف الحجاز ، واليمن ، والهند ، والسّند ، وما وراء النّهر ، وخراسان ، وبلاد العجم ، والعراق ، مذبذبا في مهامهها الفساح ، راكبا على كفل الليل وهادي الصّباح . وكان على بعد الديار لا ييأس من روح الاقتراب ، على طول الاغتراب . ومع هذا ، لا تنجلي عن أهل دمشق غيابته ، ولا تنجلي غوايته ، بل يصبّ عليهم وبله ، ويصيب فيهم نبله ، ومن ذلك قوله : « 1 » [ الكامل ] فعلام أبعدتم أخا ثقة * لم يجترم ذنبا ولا سرقا انفوا المؤذّن من بلادكم * إن كان ينفي كلّ من صدقا على أنه ما ذكر دمشق إلا ضاقت ضلوعه بزفراتها ، وفاضت عيونه بعبراتها . ( 66 ) وله في هذا أشعار لم يقصّ لها جناح ، ولم يقصر بها ارتياح . ثمّ إنّه ما سكن له قلق ، ولا سلب عن جفنه أرق ، حتى أزيلت عن العود إليها موانعه ، وأزيحت أسباب من كان لا يصانعه . ثم لما استقرت به الدار ، وبها لم يدع أهلها من بوائقه ، ولم يعد إلا وقد أذنت بقدومه جعجعة صواعقه . ومنها

--> ( 1 ) : ديوانه 94 .