أحمد بن يحيى العمري
7
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
الشعر على حساب التراجم وشروطها . 2 - إنّ هذا الأمر يقودنا إلى الإلماع إلى مصادره التي اعتمد عليها في تحرير ترجماته فمن الممكن القول إنّه اعتمد على الكثير من الدواوين والمجاميع الشعرية ، والقليل من المصادر الأخرى ككتب التراجم مثلا فالمادة الشعرية الضخمة التي حواها بين دفتيه هي نتيجة الاتكاء على مكتبة شعرية كبيرة ضمت عشرات الدواوين بحيث مكنّه هذا من الانتقاء ، والاختيار ، بينما لا تتجاوز مصادره الأخرى ثلاثة كتب ذكرها صراحة هي يتيمة الدهر للثعالبي ، وخريدة القصر للعماد الأصفهاني ، ووفيات الأعيان لابن خلكان ، وهو لا ينقل من تلك الكتب - على قلّتها - سوى الشذرة التي تشير ، والحسوة التي لا تروي ، وهذا معلوم واضح فغايته الشعر فليتخّذ له أهبته ، ويهيّئ له أدواته ، وقد فعل . 3 - يعمد العمري إلى اصطفاء [ العيون ] من شعر الشاعر على وفق الذوقين الخاص ، والعام فكثير ممّا هو ذائع مشهور من الشعر نجده في ثنايا التراجم ممّا يشير إلى مجاراته الذوق العام ، أمّا ذوقه الخاص فيتمثّل في إكثاره من شعر الطبيعة ، والغزل ، والخمر ، ولا ينسى الحكمة ، غير أنّ أمرا آخر كان ماثلا في ذهنه ، وحاضرا في تصوّره وهو يختار ، ونعني به جوهر الشعر وهو [ الصورة ] ، فما أكثر الأبيات ، والقطع التي أثبتها وهي تجمل في تضاعيفها استعارة بديعة ، أو تشبيها متميزا ، أو كناية ذات دلالة ، بالإضافة إلى ذلك التلوين الأسلوبي الذي قدّمه بعض الشعر من التفات . أو استفهام . أو أمر ، تلك التلاوين التي أغنت مبحث الإنشاء في البلاغة العربية . لقد كان العمري - في الغالب - وفيّا لمتطلبات الفنّ وهو يختار ، وكأنّه قد أفاد من سابقيه وفتح الباب عريضا لمن جاء بعده ، وحقّق تلك المقولة الرائدة : اختيار الرجل قطعة من عقله ، وأحسب أنّه قد نال نصيبا وافرا من العقل ونجاح الاختيار على حدّ سواء . 4 - ويبدو أنّ غزارة المادة الشعرية التي تعامل معها العمري في هذا السّفر قد دعته إلى أن ينسب القطعة الواحدة إلى شاعرين ، وخصوصا أولئك الشعراء المتعاصرين الذين طرقوا موضوعات متقاربة مثل وصف الطبيعة ، أو الغزل ، أو الخمريات ، فهو يغفل الإشارة أو التنبيه