أحمد بن يحيى العمري
8
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
إلى ذلك التنازع ، وقد أشير إلى هذا في مواضعه ، غير أنّ الغالب على المادة الشعرية هو التوثيق ، ونسبة الشعر إلى أصحابه بشكل دقيق . 5 - يقدّم العمري بين يدي الترجمة قطعة من إنشائه يكون الشاعر المترجم له محوره ، وتخلو تلك القطع في الأغلب من أيّ مادة معرفية من الممكن الإفادة منها في تتّبع مراحل حياة الشاعر ، أو تطورّه الفكري والروحي ، ولعلّ هذا الأمر يؤكّد ما ذهبنا إليه سابقا من حيث اهتمام المصنّف بالشعر لا بالشاعر ، فهو غير معنيّ بتفاصيل حياة الشاعر ، وثقافته وشيوخه ، وأسفاره ، كما عهدنا في كتب التراجم الأخرى ، فغاية وكده منصبّة على الإبداع وحده يريد أن يقدّم منه الكثير . 6 - يسرف العمري بشكل لافت للنظر في إضفاء نعوت المديح على الشعراء . ويكيل لهم الأوصاف كيلا ، ويبالغ كثيرا في حديثه عنهم ، فهذا رأس وغيره ذيول ، وهذا ذو نظم زاهر ، ورقم باهر ، والثالث بلغ فهمه مغار الكواكب فهو يساقطها ، أمّا الرابع فهو في الصناعتين كما تماثل الوشيان ، وكما تقابل في الحسن شيئان ، والخامس مثله فقد جلّى فسمّي سابقا ، فكان اسمه لمسماه مطابقا ، وتستمرّ القطع على هذا المنوال ، ولعلّه متأثر بمن سبقه من كتّاب التراجم الأدبية ، وخصوصا الثعالبي في اليتمية ، فقد نهج هو الأخر هذا النهج ، وهو بمجمله يشير إلى ذوق العصر ، ويومي إلى ما شاع من أساليب . 7 - من الممكن القول من جهة أخرى أنّ تلك المقدّمات ، أو القطع الإنشائية هي أشبه بالخلاصات النقدية المكثّفة التي يحاول العمري فيها جاهدا حصر أهمّ الخصائص ، والسمات الموضوعية ، والفنية التي تميّز بها الشاعر وشعره ، ولم نصل إلى هذه النتيجة بغير القراءة المتريّثة لتلك المقدمات . وتأمّل مضامينها ، فالقراءة العجلي لن تنتج سوى انطباع أنّها أمشاج من حياة الشاعر بشكل سريع خاطف أفرغ في تصنّع لفظي مقصود ، بيد أنّ القراءة الواعية بإمكانها أن تزيل ذلك الغبش الذي ران على الترجمات ، وتكشف عن فوائد نقدية ليست بالقليلة .