أحمد بن يحيى العمري
6
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
من علم ، وفنّ ، نجد مصداق هذا في كتابه [ مسالك عبّاد الصليب ] الذي " وصف فيه ملوك الإفرنج في عصره . . . فوصف ممالك فرنسا وألمانيا ، وأحوالهما السياسية والاجتماعية ، وفعل نحو ذلك في البنادقة والإيطاليين وأهل جنوة ، وبين علائقهم بالمسلمين " « 1 » ، يضاف إلى هذا معرفته الدقيقة بتاريخ المغول ، والهند ، والأتراك وأحوالهم السياسية والاجتماعية . ونعتقد أن اهتمامه بأحوال ذلك [ الآخر ] نابع من ظمئه العلمي الذي لا يعرف الحدود ، كما أنّ هذا [ الآخر ] قد أصبح قريبا جدا منه وخصوصا بعد الحروب الصليبية التي استغرقت وقتا طويلا ، واجتياح المغول الشرق ، وتقويضهم الخلافة العباسية ببغداد ، فلم يكن له وهو العالم الثبت ، والأديب المتميّز القريب من السلطة ، أقول لم يكن له بعد هذا أن يقف بمعزل عن تلك التيارات الفكرية التي كانت تموج بها ديار الإسلام ويشكّل ذلك [ الآخر ] رافدا بل روافد مهمّة فيها . - 2 - ترجم العمري في هذا السفر لتسعة وأربعين شاعرا ، افتتحه بأبي الطيب المتنبي وختمه بابن الهبّارية ، وتطول الترجمات ، أو تقصر حسب مكانة الشاعر ، وتوفّر المادة الشعرية بين يدي المصنّف ، وهو يتبع في كتابه منهجا واحدا لا يحيد عنه ، إذ يقدّم للشعر المختار بمقدمة من إنشائه يتبعها بالشعر ، فإذا كان الشاعر ذا حظّ من النثر أيضا قدّم شيئا من رسائله ، أو قطعه النثرية . وقد رصدنا بعض الملاحظات التي انتظمت التراجم جميعها ، ويمكن تلخيصها على الهيئة الآتية : - 1 - يولي العمري اهتماما ملحوظا بالشعر لا بالشاعر بحيث تطغى المادة الشعرية على السّفر كلّه ، ويمكن القول بشيء قليل من الاحتراز إنّ هذا السّفر أقرب إلى كتب [ الاختيارات الشعرية ] منه إلى كتب التراجم ، فهو أقرب إلى المفضليات ، والأصمعيات والحماسات منه إلى وفيات الأعيان ، ومعجم الأدباء ، وفوات الوفيات ، وإن خطط له صاحبه ليكون كتاب تراجم ، فهو بمحتواه العام لا يؤدي ذلك المعنى بل يقدّم جمهرة واسعة من
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 7 . ليس القصد أن نقدم ترجمة وافية للعمري هنا وإنما هي الإشارة التي تعني التنويه بجهده العلمي الضخم .