أحمد بن يحيى العمري

97

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

خرج في برج ، لأخذك من النعال ما قدم وما حدث ، وشملك من الصّفع ما طاب وخبث ؛ وأنشدت قول ابن الرّومي « 1 » : [ المجتث ] إن كان شيخا سفيها * يفوق كلّ سفيه فقد أصاب شبيها * له وفوق الشّبيه ثم لما أبت نفس العقل ، وزال سكر الغيظ ، تمثّلت بقول القائل « 2 » : [ الطويل ] وأنزلني طول النّوى دار غربة * إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله أجامعه حتّى يقال سجيّة * ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله ودفع القوال فبدأ بأبيات ، ولحّن بأصوات ، وجعل النّعاس يثني الرؤوس ، ويمنع الجلوس ؛ فقمنا عن اللّيل وهو يجرّ بعاع الذّقن ، إلى ما وطّئ من مضجع ، ومهّد من مهجع ؛ ولم يكن النوم ملأ الجفون ، ولا شغل العيون ، حتى أقبل وفد الصّباح ، وحيعل المؤذّن بالفلاح ، وندب بالنّهوض إلى المفروض ، وأجبنا ؛ فلمّا قضينا الفرض ، فارقنا الأرض ، فآوى إلى مثواه ، وأويت إلى الحجرة ، وظني أنّ هذا الفاضل يأكل يده ندما ، ويبكي على ما جرى دمعا ودما ؛ فإنّه إذا سمع بحديث همذان ، قال : الهاء همّ ، والميم موت ، والذّال ذل ، والألف آفة ، والنّون ندامة ؛ وإنّه إذا نام هاله منّا طيف ، وإذا انتبه راعه منّا سيف ؛ وأخذ النّاس يترامزون بما جرى ويتغامزون ، وراب هذا الفاضل غمزاتهم ، مثلما راب المريض تغامز العوّاد ؛ فجعل يحلف للنّاس بالعتق ، وتحرير الرّقّ ، والمكتوب في الرّقّ ، أنه أخذ قصب السبق ، وأنه ينطق عن الحقّ ؛ والناس أكياس ، لا يقنعهم عن المدّعي يمين دون شاهدين

--> ( 1 ) ديوانه 6 / 2634 . ( 2 ) هما في بيان الجاحظ 1 / 245 و 2 / 235 و 4 / 21 وعيون الأخبار 3 / 24 ومعجم الأدباء 1 / 241 بلا نسبة .