أحمد بن يحيى العمري

98

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وسعوا بيننا بالصّلح ، يحكمون قواعده ومعاقده ، وعرفنا له فضل السّنّ ، فقصدناه معتذرين إليه ، فأومى إيماءة مهيضة ، واهتزّ اهتزازة مغيضة ، وأشار إشارة مريضة ، بكفّ سحبها على الهواء ، ويد بسطها في الجو بسطا ؛ وعلمنا أن للمقمور أن يستخفّ ويستهين ، وللقامر أن يحتمل ويلين ؛ فقلنا : إنّ بعد الكدر صفوا ، كما إنّ عقب المطر صحوا ، فهل لك في خلق في العشرة نستأنفها ، وطرق في الخلطة نسلكها ؛ فإنّ ثمرة الخلاف ما قد بلوتها ؟ فقال : ظهر الوفاق أوطأ كما ذكرت ، والجميل أجمل كما علمت ، وسنشترك في هذا العنان ؛ وعرض علينا الإقامة عنده سحابة ذلك اليوم ، فاعتللنا بالصّوم ، فلم يقبل العذر ، وألحّ ؛ فقلت : أنت وذاك ؛ فطعمنا عنده ، وأخذنا ديدان مرده « 1 » ، وخرجنا والنّية على الجميل موفورة ، وتبعة الودّ معمورة ، وصرنا لا نتعلل إلا بمدحه ، ولا نتنقل إلا بذكره ، ولا نعتدّ إلا بودّه ، لا بل ملأنا البلد شكرا ، والأسماع نشرا ، وبتنا نحن من الحال في أعذبها شرعة ، ومن الثقة في أطيبها جرعة ، ومن الظّنون في أفلجها قرعة ، ومن المودة في أعمرها بقعة ، وأوسعها رقعة ؛ حتى طرأ علينا رسولان متحمّلان لمقالته ، مؤديان لرسالته ، ذاكران بأنّ أبا بكر يقول : قد تواترت الأخبار ، وتظاهرت الآثار في أنك قهرت وأني قهرت ، ولا شك أنّ ذاك التّواتر عنك صدرت أوائله ، والخبر إذا تواتر به النّقل ، قبله العقل ؛ ولابدّ أن نجتمع في مجلس بعض الرؤساء ، فنتناظر بمشهد الخاصة والعامة ، فإنك متى لم تفعل ذلك لم آمن عليك تلامذتي ، أو تقرّ بعجزك وقصورك عن بلوغ أمدي ومنال يدي ؛ فعجبت كل العجب مما سمعت ، وأجبت فقلت : أما قولك : قد تواتر الخبر بأنك قهرت ، وأنّ ذلك عن جهتي صدر ، ومن لساني سمع ؛ فبالله ما أتمدح بقهرك ، ولا أتبجج بقسرك ؛ وإنّ لنفسك عندنا لشأنا إن ظننتني أقف هذا الموقف ، أنا إن شاء الله أبعد من ذلك

--> ( 1 ) كذا في الأصل ، وفي الرسائل : دندان مزدة ! .