أحمد بن يحيى العمري
94
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وأواقفك عليها ، واحفظ عليّ أنفاسي وواقفني عليها ؛ فإن عجزت عن اعتلاقها حفظتها لك ، فسلني عنها بعد ذلك ؛ وأخذنا بيت أبي الطيّب المتنبي « 1 » : [ المنسرح ] أهلا بدار سباك أغيدها * أبعد ما بان عنك خرّدها فقلت « 2 » : [ المنسرح ] يا نعمة لا تزال تجحدها * ومنة لا تزال تكندها فأخذ بمخنّق البيت قبل تمامه ، ومضيق الشّعر قبل نظامه ، فقال : [ ما ] معنى تكندها ؟ فقلت : يا هذا ، كند النعمة : كفرها ؛ فرفع يديه ورأسه ، وقال : معاذ الله أن يكون كند بمعنى جحد ، وإنما الكنود : القليل الخير ؛ فأقبلت الجماعة عليه يوسعونه بريا وفريا ، ويتلون له قول الله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ « 3 » . فقلت : أليس الشّرط أملك ؟ والعهد بيننا أن تسكت ونسكت حتّى نتم وتتمّ ؟ ثم نبحث ونفحص ؟ فنبذ الأدب وراء ظهره ، وصار إلى السّخف يكيلنا بصاعه ومدّه ، وينفض فيه حمة جهده ، وأفضى إلى السفه يغرف علينا غرفا ، ويستقي من جرفه جرفا ؛ فقلت له : يا هذا ، إنّ الأدب غير سوء الأدب ، وللمناظرة حضرنا لا للمنافرة ؛ فإن نقضت عن هذا السّخف يدك ، وثنيت عن هذا السّفه قصدك ، وإلّا تركت مكالمتك ؛ ولو كان في باب الاستخفاف شيء أبلغ من ترك الإنكار لبلغته منك ؛ فأخذ يمضي على غلوائه ، ويمعن في هرائه وهذائه ؛ فاستندت إلى المسند ، ووضعت اليد على اليد ، وقلت : أستغفر الله من مكالمتك ، ونفضتها قائمة معه ، وسكتّ حتّى عرف الناس ، وأيقن الجلّاس أني أملك من نفسي مالا
--> ( 1 ) ديوانه 1 / 294 . ( 2 ) ليس في ديوانه ، وهو في مصادر المناظرة . ( 3 ) سورة العاديات : 6 .