أحمد بن يحيى العمري

95

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

يملكه ، وأسلك من طريق الحلم ما لا يسلكه ؛ ثم عطفت عليه ، فقلت : يا أبا بكر ، إنّ الحاضرين قد أعجبوا من حلمي بأضعاف ما أعجبوا من علمي ، وتعجّبوا من عقلي ، أكثر ممّا تعجبوا من فضلي ؛ وبقي الآن أن يعلموا أنّ هذا السّكوت ليس عن عيّ ، وأنّ تكلّفي للسّفه أشدّ استمرارا من طبعك ، وغربي في السّخف أمتن عودا من نبعك ؛ وسنقرع باب السّخف معك ، ونفترع من ظهر السّفه مفترعك ، فتكلّم الآن . فقال : أنا قد كسبت بهذا [ العقل ] دية أهل همذان مع قلّته ، فما الذي أفدت أنت بعقلك مع غزارته ؟ فقلت : أما قولك : دية أهل همذان ، فما أولاني بأن لا أجيب عنه ، لكن هذا الذي به تتمدّح وتتبّجج ، وتتشرّف وتتصلّف ، من أنك شحذت فأخذت ، وسألت فحصلت ، وكديت فاقتنيت ، فهذا عندنا صفة ذمّ ، عافاك الله ، ولأن يقال للرّجل : يا فاعل ، يا صانع ، أحبّ إليه من أن يقال : يا شحّاذ ، يا مكدي ؛ وقد صدقت ، أنت في هذه الحلبة أسبق ، و [ في ] هذه الحرفة أعرق ؛ ولعمرك إنّك أشحذ ، وأنت في الكدية أنفذ ، وأنا قريب العهد بهذه الصّنعة ، حديث الورد لهذه الشّرعة ، مرمل اليد في هذه الرّقعة . فأما مالك ، فعندنا يهوديّ يماثلك في مذهبه ، ويزنك بذهبه ، وهو مع ذلك لا يطرقني إلّا بعين الرّهبة ، ولا يمدّ إليّ إلّا يد الرّغبة ؛ ولو كان الغنى حظا كريما لأخطأه مثل هذا العقل ، ولو كان المال غنما لما أدرك بهذا السعي ، ولكن عرّفني هل كنت فيما سلف من زمانك ، ونبت من أسنانك ، إلا هاربا بذمائك ، مضرجا بدمائك ، مرتهنا بقولك ، بين وجنة موشومة ، وجوارح مهشومة ، ودار مهدومة ، وخدود ملطومة ؟ ومتى صفت مشارعك ، أو أخصبت مراتعك ، إلّا في هذه الأيّام القذرة ؟ وستعرف غدك من بعد وتنكر أمسك ، وتعلم قدرك في غد وتعرف نفسك ، وما أضيع وقتا قطعته بذكرك ، ولسانا دنسته باسمك .