أحمد بن يحيى العمري

79

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

لا تحسن إلّا معها ؛ وسأسوق بعون الله صدر حديثنا إلى العجز ، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز ؛ فنبدأ فيها باسم الله عزّ وجلّ ، والصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم [ ذهابا بالقصّة عن أن تكون بتراء ، وصيانة لها عن أن تدعى جذماء ؛ قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : ] « كلّ خطبة لا يبدأ فيها باسم اللّه عزّ وجلّ فهي بتراء » . وخطب زياد خطبته البتراء « 2 » . لأنه لم يحمد الله عزّ وجل ولم يصلّ على رسوله صلى اللّه عليه وسلم ؛ وهذا مقام نعوذ بالله منه ، ونسأله التوفيق للصّواب ، بورده وبصدره . نعم ، أطال الله بقاء السيد ، وأمتع ببقائه إخوانه ؛ إن قعدنا نعدّ آثاركم ونؤدي مآثركم ، نفد الحصر قبل نفودها ، وفنيت الخواطر قبل أن تفنى المآثر ؛ وكيف لا ، وإن ذكر الشرف فأنتم بنو بجدته ، أو العلم فأنتم عاقدوا بردته ، أو الدين فأنتم ساكنو بلدته ، أو الجود فأنتم لابسو جلدته ، أو التّواضع صبرتم لشدته ، أو الرأي صلتم بنجدته ، وإن بيتا تولى الله بناءه ولزم الرسول صلى اللّه عليه وسلم فناءه ، وأقام الوصيّ عليه السلام عماده ، وخدم جبريل عليه السلام أهله ، لحقيق أن يصان عن مدح لسان قصير ؛ ونحن نعود للقصة نسوقها . فأولها : أنا وطئنا خراسان ، فما اخترنا إلا نيسابور دارا ، وإلا جوار السادة جوارا ، لا جرم أنا حططنا بها الرّحل ، ومددنا عليها الطنب ، وقديما كنا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوقه ، ونخبره على الغيب فنتعشقه ، ونقدر أنا إذا وطئنا أرضه ، ووردنا بلده ، يخرج لنا في العشرة عن القشرة ، فقد كانت لحمة الأدب جمعتنا ، وكلمة الغربة نظمتنا ؛ وقد قال شاعر العرب غير مدافع « 3 » : [ الطويل ] أجارتنا إنا غريبان هاهنا * وكلّ غريب للغريب نسيب

--> ( 1 ) الحديث : أخرجه الإمام أحمد في مسنده 2 / 359 . ( 2 ) خطبة زياد البتراء ، في : أمالي القالي 3 / 185 وعيون الأخبار 3 / 241 . . ( 3 ) هو امرؤ القيس ، والبيت في ديوانه 357 .