أحمد بن يحيى العمري
80
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فأخلف ذلك الظنّ كلّ الإخلاف ، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف ؛ وكان قد اتفق لنا في الطريق اتفاق ، لم يوجبه استحقاق ، من بزّة بزّوها ، وفضة فضوها ، وذهب « 1 » ذهبوا به ؛ ووردنا نيسابور براحة أنفى من الراحة ، وكيس أخلى من جوف حمار « 2 » ، وزيّ أوحش من طلعة المعلّم ، بل اطّلاعة الرقيب ، فما حللنا إلا قصبة جواره ، ولا وطئنا إلا عتبة داره ؛ وهذا بعد رقعة كتبناها ، وأحوال أنس نظمناها ؛ فلما أخذتنا عينه سقانا الدّرديّ « 3 » من أول دنّه ، وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنّه ؛ من طرف نظر بشطره ، وقيام دفع في صدره ، وصديق استهان بقدره ، وضيف استخف بأمره ؛ لكن أقطعناه جانب أخلاقه ، ووليناه خطة رأيه ، وقاربناه إذ جانب ، وواصلناه إذ جاوب ، وشربناه على كدرته ، ولبسناه على « 4 » خشونته ، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي استغثّه ، ولباس استرثه ، وكاتبناه نستمدّ وداده ، ونستلين قياده ، ونستميل فؤاده ، ونقيم منآده ، بما هذه نسخته بعد البسملة : الأستاذ أبو بكر ، والله يطيل بقاءه ، أزرى بضيفه إن وجده يضرب آباط القلة في أطمار الغربة ، فأعمل في مرتبته أنواع المصارفة ، وفي الاهتزاز له أصناف المضايفة ، من إيماء بنصف الطرف وإشارة بشطر الكف ، ودفع في صدر القيام عن التمام ، ومضغ للكلام ، وتكلف لردّ السلام ؛ وقد قبلت تربيته صعرا ، واحتملته وزرا ، واحتضنته نكرا ، وتأبطته شرا ، ولم آله عذرا ؛ فإن المرء بالمال وثياب الجمال ، ولست مع هذه الحال ، وفي هذه الأسمال أتقزز صف النعال ؛ فلو صدقته العتاب ، وناقشته الحساب ، لقلت إن نوادينا ثاغية صباح ، وراغية رواح ، وناسا
--> ( 1 ) في الأصل : وذهبوا ذهبوا به ! . ( 2 ) أخلى من جوف حمار : من أمثال العرب ، وهو رجل من عاد ، يقال له : حمار بن مويلع ، وجوفه واد له طويل عريض خصب ، دعا قومه إلى الكفر فأخرب الله واديه . ( ثمار القلوب 1 / 167 ) . ( 3 ) الدّرديّ : ما يرسب في أسفل الدّنّ . ( القاموس ) . ( 4 ) في الأصل : كل .