أحمد بن يحيى العمري
55
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
شافهنا بالارتفاع على بعد مسافته ، وحصر متفرق الأنوار في مجرى عضادته ، واحتوى على قطري الشمال والجنوب ، وأطلع باللّطف على خفيات الغيوب ؛ متّعك الله باستخدامه ، وأسعدك بمواقع أحكامه ، وأغناك بالتوفيق عمّا يستمده منه ، وبالخيرة عن الاختبارات الصادرة عنه ، وقد آنست وحشته من فهمك بسكنه ، ورددته من ذكائك إلى وطنه ، فإن رأيت أن تديله من الأفهام الصدئة بصفاء بصيرتك ، وتقرّه في أمنع قرار من كنف فطنتك ، فعلت إن شاء الله تعالى . ومنه قوله يستهدى دواة من الأبنوس بآلاتها : ولعل المولى ينعم بدواة تكون للكتابة عتادا ، وللخواطر زنادا ؛ جدولية العطفين ، هلالية الطرفين ، مسكية الجلدة ، كافورية الحلية ، فسيحة الأحشاء ، مهفهفة الأعضاء ، فهي من لون جلدتها ، ووشائع حليتها : [ الخفيف ] كشباب مجاور لمشيب * أو ظلام موضّح بنهار أضمرت آلة النّهى فهي كالقل * ب وما تحتويه كالأفكار يقارنها قضبان « 1 » من ذخائر السحاب ، وودائع التّراب ؛ كلّ معدل الكعوب ، قويم الأنبوب ، باسق الفروع ، رويّ الينبوع ، نقي الجسد ، نازح العقد ، مختلف الشيات ، متفق الصفات ، مما اعتنت الطبيعة بتربيته ، وتبارت الدّيم في تغذيته ، كالجوهر المصون ، واللّؤلؤ المكنون ؛ ملتحف الأجساد بمثل خوافي أجنحة الجراد ، أولى باليد من البنان ، وآنس بخفي السر من اللسان ، مقترن ذلك بمدية لا تفتقر إلى جلب « 2 » ، ذات غرار ماض ، وذباب قاض ، ومنسر ناويّ ، وحديد سمائي ، وجوهر هوائي ، ونصاب زنجي ، وحد لجي ، معه مقطّ ، يرتفع عليه تقديرها وينحطّ ، ذو جسد بجراحها مكلوم ، وجلد بآثارها موسوم : [ البسيط ]
--> ( 1 ) في الأصل : نضات ! . ( 2 ) الجلب : النّصاب المغطّى بالجلد .