أحمد بن يحيى العمري

22

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الألوان ، وتسري نجوم زباديها « 1 » في سماء الخوان ، وقد تحويه دور بعض البخلا ، ومن لا يدعو الناس إلى طعامه دعوة الجفلى « 2 » ، ويكون في ماله الممنوع حق للسائل والمحروم ، ومن لا يتوصل إلى الحق منه إلا بالتطفيل المعلوم ، ممن تعيّن الأكل من ماله بأنواع الحيل ، والهجوم على موائده المحجوبة وراء الحلل ، واستعمال الإقدام على هذا وأمثاله لأكل طعامه ، وإخلاء المائدة من قدامه ؛ ولم يوجد لهذه العظيمة ، ولا يلام صاحب كل وليمة ، إلا من كان إذا أكل اضطلع ، وإذا مد يده إلى السماط اقتلع ، أو صعد إلى السماء ذبح سعد الذابح وبلع سعد بلع ؛ ولم يزل يزلزل الموائد ، ويملأ وعاء بطنه بزائد ، ولا يعرف ما تكون البطنة ، ولا ما تكفي منه اللقمة وتعني منه اللهنة ، ولا يقابله صدور الأطباق إلا وهي غير مطمئنة . وكان فلان هو الذي طالما كشف وجه السماط ، وحل من سفر المخالي الرباط ، وجال في جنبات الموائد حتى أخلاها ، وركض فيها ركض الجواد حتى ألحق أخراها بأولاها ، وعرف في الولائم التي لم يزل فيها مشهور الحملة ، آتيا على التفصيل والجملة ، معروفا بكبر اللقم التي تكاد تخنق ، وترك التشهي وأكل ما يتفق ، وقوة النهمة التي لو نقمت [ على ] الصخر لسحنته ، أو كلفت خوض البحر إلى أكل لقمة واحدة لاستهونته ؛ واشتهر بطبع طبع ، عنّى كل من يجيء بعده وأتعب ، وفرط طمع أطفأ كل طفيلي وأمات أشعب وأم أشعب ، ولم يعصم منه باب مغلق ، ولا ستر مطبق ولا طعام جالس على الطريق ، ولا محبوس من وراء مضيق ، بل لو قيل له : إنّ اللقمة خلف جبل قاف لقام إليها يسعى ، أو في فم الأفعى لمد يده إليها ولم يخف لسعا ، قد تبلط وجهه الوقاح ، وأفنى لحوم ذوات الأربع والجناح ، ولم يدع في القدور شيئا عليه يدور ، ولا في المخافي ما هو عليه خافي ، ولا نوعا من الأنواع ، ولا ما يصلح للأكل مما يشترى ويباع ؛ ولو واكل ابن أبي

--> ( 1 ) في الأصل : زيادتها . ( 2 ) الجفلى : الدّعوة العامّة . ( القاموس ) .