أحمد بن يحيى العمري

20

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وأمره أن يروض نفسه ويغالط حسه ، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحا ، ويطوي دونه كشحا ، ويستحسن الصمم عن الفحشاء ، ويغمض عن اللفظة الخشناء ، وإن أتته اللكزة في حلقه ، صبر عليها في الوصول إلى حقه ؛ وإن وقعت به الصفعة في رأسه ، أغضى عنها لمراتع أضراسه ؛ فإن لقيه لاق بالجفاء ، قابلة باللطف والصفاء ، إذ كان إذا ولج الأبواب ، وخالط الأسباب ، وجلس مع الحضور ، وامتزج بالجمهور ، ولا بد أن يلقاه المنكر لأمره ، ويمر به المستغرب بوجهه ؛ فإن كان حرا حييا أمسك وتذمم ، وإن كان فظا غليظا همهم وتكلم ؛ وأن يجتنب عند ذلك المخاشنة ، ويستعمل مع المخاطب الملاينة ، ليرد غيظه ، ويفلّ حده ، ويكف غربه ؛ ثم إذا طال المدى تكررت الألحاظ عليه فعرف ، وأنست النفوس به فألف ، ونال من الحال المجتمع عليها ، منال من حشم وسئل العناء إليها . ولقد بلغنا أن رجلا من هذه العصابة ، كان ذا فهم ودراية ، وعقل وحصافة ، طفل على وليمة رجل ذي حال عظيمة فرمقته فيها من القوم العيون ، وتصرف بهم فيه الظنون ، فقال له قائل منهم : من تكون أعزك الله ؟ ، فقال : أنا أول من دعي إلى هذا الحق ؛ قيل له : وكيف ذلك ونحن لا نعرفك ؟ فقال : إذا رأيت صاحب الدار عرفني وعرفته نفسي ؛ فجيء به إليه ، فلما رآه بدأه بأن قال له : هل قلت لطباخك « 1 » أن يصنع طعامك زائدا على عدد الحاضرين ، ومقدار حاجة المدعوين ؟ فقال : نعم ؛ فقال : فإنما تلك الزيادة لي ولأمثالي ، وبها تستظهر لمن جرى مجراي ، وهو رزق أنزله الله على يدك ، وسببه من جهتك ؛ فقال : مرحبا بك وأهلا وقربا ، والله لا جلست إلا مع علية الناس ، ووجوه الجلساء والأناس ، إذ قد طرفت في قولك ، وتفننت في فعلك ؛ فليكن ذلك الرجل لنا إماما نقتدي به ، وحاديا نحدو على مثاله ، إن شاء الله .

--> ( 1 ) في الأصل : لصاحبك .