أحمد بن يحيى العمري

19

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وأمره أن ينصب الأرصاد على منازل المغنيات والمغنين ، ومواطن الإناث والمخنثين ؛ فإذا أتاه خبر بمجمع تضمهم ، أو مأدبة تعمهم ، ضرب إليها أعقاب إبله ، وأنضى حولها مطايا خيله ، وحمل عليها حملة الحوت الملتقم ، والثعبان الملتهم ، والليث الهاصر « 1 » والعقاب الكاسر . وأمره أن يتجنب مجامع العوام المقلين ، ومحافل الرعاع المقترين ، وأن لا ينقل إليها قدما ولا يفغر لمآكلها فما ، ولا يلفى في عتب دورها كيسانا ، ولا يعد الرجل منها إنسانا ؛ فإنها عصابة يجتمع لها ضيق النفوس والأحوال ، وقلة الأحلام والأموال ، وفي التطفيل عليها إجحاف بها يوثم ، وإزراء بمروءة المتطفل [ يوصم ] ، والتجنب لها أجدى « 2 » ، والازورار عنها أرجا . وأمره أن يحرز الخوان إذا وضع ، والطعام إذا نقل ، حتى يعرف بالحدس والتقريب ، والبحث والتنقيب ، عدد الألوان في الكثرة والقلة ، وافتنانها في الطيب واللذة ، فيقدر لنفسه أن يشبع مع آخرها ، وينتهي عند انتهائها ، ولا يفوته النصيب من كثيرها وقليلها ، ولا يخطئه الحظ من دقيقها وجليلها ؛ ومتى أحس بقلة الطعام ، وعجزه عن الأقوام ، أمعن في أوله إمعان الكيّس في سعيه ، الرشيد في أمره ، المالئ لبطنه من كل حار وبارد ؛ فإنه إذا فعل ذلك سلم من عواقب الأغمار الذين يكفون تظرفا ، ويقلون تأدبا ، ويظنون أن المادة تبلغهم إلى آخر أمرهم ، وتنتهي إلى غاية شبعهم ، فلا يلبثون أن يخجلوا خجلة الواثق ، وينقلبوا بحسرة الخائب ؛ أعاذنا الله من مثل مقامهم ، وعصمنا من شقاء جدودهم .

--> ( 1 ) في الأصل : الصاهر ! . ( 2 ) في الأصل : أجلا .