أحمد بن يحيى العمري

14

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

[ وقوله من أخرى ] : « 1 » مآرب الناس منزلة بحسب قربها ، وأولاها بأن يعتده الخاصة ملعبا والعامة مكسبا : الصيد الذي هو رائض الأبدان ، وجامع لشمل الإخوان ؛ ولما كانت الجوارح المثمنة ، ليست لكل الناس ممكنة ، بل لمن عظم شأنه وحاله ، وجمّ نسبه وماله ، جعلت القول مقصورا على قسي البندق ، التي لا تتعذر على مكثر ولا مملق ؛ وأنا أكتفي في ترغيب من كان عنه منحرفا ، وتثبيت من كان إليه متشوفا ، بوصف موقف منه شهدته في بعض ظواهر مدينة السلام ، وهناك غيضة ذات ماء أزرق ، وشجر مرجحنّ « 2 » مورق ؛ فبينا أنا قائل فيها ، ومنتزه في نواحيها ، وقد تأودت في حلل الورد شجراؤها ، وتفاوحت بروائح المسك أنوارها ، إذ أقبلت رفقة قبل الدرور والشروق ، وشمرت عن الأذرع والسوق ، مقلدين خرائط تحمل من البندق الموزون الملوم ، ما هو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم ، كأنما خرط بالجمر ، فجاء كبنان الفهر ؛ وقد اختبر طينه ، وملك عجينه ، كافل مطاعم حامليه ، محقق لآمال آمليه ، ضامن لحمام الحمام ، متناول لها من أبعد مرام ؛ يعرج إليها وهو سمّ ناقع ؛ ويهبط إليهم وهو رزق نافع ؛ وبأيديهم قسي مكسوة « 3 » بأغشية السندس ، مشتملة منها بأفخر ملبس ، مثل الكماة في جواشنها « 4 » ودروعها ، والجياد في جلالها وقطوعها ؛ حتى إذا جردت من تلك المطارف ، وانتضيت من تلك الملاحف ، رأيت منها قدودا مخطفة رشيقة ، وألوانا معجبة أنيقة ، صلبة المكاسر والمعاجم ، نجيبة المنابت والمناجم ، خطية الانتماء والمناسب ، سمهرية الاعتزاء والمناصب ؛ تركبت من شظايا الرماح الراعبية ، وقرون

--> ( 1 ) موضع العبارة بياض في الأصل . ( 2 ) ارجحنّ : مال واهتزّ . ( القاموس ) . ( 3 ) في الأصل : مكسورة ! . ( 4 ) الجواشن : الدّروع . ( القاموس ) .