أحمد بن يحيى العمري

15

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الأوعال الجبلية ؛ قد تحنت تحني النساك ، وصالت صيال الفتاك ؛ ظواهرها صفر وارسة ، ودواخلها سود دامسة ، كأن شمس أصيل طلعت [ في ] متونها ، أو جنح ليل اعتكر في بطونها ، أو زعفران جرى فوق مناكبها ، أو غالية جمدت على ترائبها ، أو ثني قضبان فضة أذهب بعضها واحترق شطر ، أو حيات رمل اعتنقت السود منها والصفر ؛ فلما توسطوا تلك الروضة ، وانتشروا على أكناف تلك الغيضة ، وثبتت للرمي أقدامهم ، وشخصت إلى الطير أبصارهم ، وتروها بكل وتر فوّق سهمه ، وأفق انقض نجمه ، مضاعف عليها من وترين كأنه بروح ذو جسدين ، في وسط تسريحه كيس مختوم ، أو سرة بطن مهضوم ، كأنها متخازر ينظر شزرا ، أو مصغ يتسمع نزرا ، تصيب قلوب الطير بالأنباض ، وتصيب منها مواقع الأعراض ؛ فلم يزل القوم يرمون ويصيبون ، وينجحون ولا يخيبون ، حتى خلت من البندق خرائطهم ، وامتلأت بالصيد حقائبهم ، فكم عارضت الطير فكسرت أجنحتها وجآجئها ، واستطارت في الجو قوادمها وخوافيها ، تعاجل قبل فناء ذمائها « 1 » ، ويصير ريشها كالمجاسد من دمائها محمولة على حكم الكفار ، إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار ؛ تحنط بتوابلها وأبازيرها ، وتوارى في قدورها وتنانيرها ، ثم تبعث إلى إخوان متوافقين ، وخلان مترافقين ، قد تمالحوا في الطعام ، وتراضعوا في المدام ، لا يشوب صفوهم شائب ، ولا يعيب فضلهم عائب ؛ فالحمد للّه الذي أباحنا لذيذ المطاعم ، ونهج لنا سبيل المغانم .

--> ( 1 ) الذّماء : بقيّة النفس . ( القاموس ) .