أحمد بن يحيى العمري
54
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فجلس قليلا ثم نهض فتوجه نحو دار موسى بن طلحة ، فتبعته ، فلما طعن في الدار ، التفت إليّ فقال : ادخل فإذا حجلة « 1 » ، وإنها لأول حجلة رأيتها لأمير ، فقمت ودخلت الحجلة ، فسمعت حركة ، فكرهت الجلوس ، ولم يأمرني بالانصراف ، فإذا جاريته قد خرجت ، فقالت : يا شعبي ، إن الأمير يأمرك أن تجلس ، فجلست على وسادة ، ورفع سجف « 2 » الحجلة ، فإذا أنا بمصعب بن الزبير ، ورفع السجف الآخر ، فإذا أنا بعائشة بنت طلحة ، فلم أر زوجا قط كان أحسن منهما : مصعب وعائشة ، فقال مصعب : يا شعبي ، هل تعرف هذه ؟ قلت : نعم [ ص 17 ] أصلح الله الأمير ، قال : ومن هي ؟ قلت : سيدة نساء المسلمين عائشة بنت طلحة ، قال : ولكن هذه ليلى [ التي ] يقول فيها الشاعر : وما زلت في ليلى لدن طرّ شاربي ثم قال : قم إذا شئت ، فقمت ، فلما كان العشيّ رحت ، فإذا هو جالس في المسجد على سرير ، فسلمت عليه ، فلما رآني قال : ادن مني ، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه ، فأصغى إلي وقال : رأيت مثل ذلك الإنسان قط ؟ قلت : لا والله ، قال : أفتدري لم أدخلناك ؟ قلت : لا ، قال : لتحدّث بما رأيت ، ثم التفت إلى عبد الله بن فروة ، فقال : اعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبا ، وانصرف ، وما انصرف أحد بمثل ما انصرفت بعشرة آلاف درهم ، وبمثل كارة القصار ثيابا « 3 » ، وبنظرة من عائشة بنت طلحة . قال : وكانت عائشة بنت طلحة عند عبد الرحمن بن أبي بكر ، وكان أبا عذرتها ، « 4 » ثم هلك ، وتزوجها مصعب
--> ( 1 ) الحجلة : مثل القبة ، وحجلة العروس : بيت يزين بالثياب والأسرة والستور ، وفي أزرار كبار ( اللسان : حجل ) . ( 2 ) السجف : الستر . ( 3 ) في الأصل : ( ثياب ) والوجه النصب . ( 4 ) العذرة : البكارة ، أي كان أول من تزوجها .