أحمد بن يحيى العمري
46
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
يتجنّى عليه فيطرده ؛ فشكا « 1 » ذلك إلى مولياته وأعلمهنّ غرض ابن سريج في تنحيته إياه عنه ، وأنه حسده على تقدّمه [ ص 11 ] فقلن له : هل لك أن تسمع نوحنا على قتلانا ، فتأخذه وتغنّى عليه ؟ قال : نعم ، فأسمعنه المراثي فاحتذاه ، « 2 » فخرج غناؤه عليها ، وكان ينوح مع ذلك ، ويدخل المآتم ، وتضرب دونه الحجب ، ثم ينوح فيفتن كلّ من سمعه . ولما كثر غناؤه اشتهاه الناس وعدلوا إليه لما كان فيه من الشجا « 3 » ، وكان ابن سريج لا يغني صوتا إلا عارضه « 4 » ، فغنّى فيه لحنا آخر ، فلما رأى ابن سريج موضع الغريض ، اشتد عليه وحسده ، فغنى الأرمال والأهزاج ، فاشتهاها الناس ، وقال [ له ] الغريض : يا أبا يحيى ، قصرت الغناء وحذفته ، قال : نعم يا مخنّث ، جعلت تنوح على أبيك « 5 » وأمك . قال إسحاق : سمعت جماعة من البصراء بالغناء قد أجمعوا على [ أن ] الغريض أشجى غناء ، وابن سريج أحكم صنعة . قال بعض أهل العلم بالغناء : لو حكمت بين أبي يحيى « 6 » وأبي يزيد لما فرقت بينهما ، وإنما تفضيلي أبا يحيى بالسبق ، فأما غير ذلك فلا ، لأن أبا يزيد « 7 » عنه أخذ ومن بحره اغترف ، وكذلك قالت سكينة لما غنّى الغريض وابن سريج : « 8 » [ السريع ]
--> ( 1 ) في الأصل : ( فشكى ) . ( 2 ) كذا في الأصل ولعلها : « فاحتذاها » [ المراجع ] . ( 3 ) الشجا : الرقة والألم . ( 4 ) عارضة : باراه وناقضه . ( 5 ) في الأصل : ( على أبوك وأمك ) . ( 6 ) أبو يحيى : كنية ابن سريج ، وأبو يزيد كنية الغريض . ( 7 ) في الأصل : ( ابن زيد ) ( 8 ) الشطر من قصيدة للعرجي في ديوانه ص 189 وتمامه : إنّك إن لا تفعلي تحرجي