أحمد بن يحيى العمري
39
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
يستخرجون بذلك أن يطرب فيغني ، فلم يجدوا عنده ما أرادوا ، فقلت لهم أنا : حدثني بعض الأعراب حديثا يأكل الأحاديث ، فإن شئتم حدثتكم إياه ، قالوا : هات ، قلت : حدثني هذا الرجل أنه مرّ بناحية الرّبذة « 1 » ، فإذا صبيان يتغاطسون في غدير ، فإذا شاب جميل منهوك الجسم ، وعليه آثار العلة ، والنحول في جسمه بين ، وهو جالس ينظر إليهم فسلمت فرد السلام وقال : من أين وضح الراكب ؟ « 2 » فقلت : من الحمى « 3 » ، قال : ومتى عهدك به ؟ قلت : رائحا ، قال : وأين كان مبيتك ؟ قلت : ببني فلان ، قال : أوّه ، وألقى نفسه على ظهره وتنفس الصعداء تنفسا « 4 » قلت قد خرق حجاب قلبه ، ثم أنشأ يقول : « 5 » [ الطويل ] سقى بلدا أمست سليمى تحلّه * من المزن ما يروي به ويسيم « 6 » وإن لم أكن من قاطنيه فإنه * يحلّ به شخص عليّ كريم ألا حبذا من [ ليس ] يعدل قربه * لديّ وإن شطّ المزار نعيم « 7 » ومن لا مني فيه حميم وصاحب * فردّ بغيظ صاحب وحميم ثم سكت كالمغشي « 8 » عليه ، فصحت بالصبيان ، فأتوا بماء فصببته على وجهه ، فأفاق وأنشأ يقول : « 9 » [ الوافر ]
--> ( 1 ) الربذة : من قرى المدينة على ثلاثة أيام ، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز ، إذا رحلت من ( فيد ) تريد مكة ، وبهذا الموضع قبر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ( ياقوت : الربذة ) . ( 2 ) من أين وضح الراكب : يريد من أين بدا وطلع . ( 3 ) الحمى : حمى الربذة . ( 4 ) في الأصل : « نفسا » . ( 5 ) الشعر في الأغاني 2 / 225 . ( 6 ) يسيم : أي يرعى الإبل ، سامت الإبل إذا رعت ، وأسامها صاحبها إذا رعاها . ( 7 ) في الأصل ( ألا حبذا من يعدل قربه ) . ( 8 ) في الأصل : « بالمغشي » . ( 9 ) الشعر في الأغاني 2 / 226 .