أحمد بن يحيى العمري

38

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الله عليّ ؟ قال : أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء ، قال له : هل لك فيما هو أنفع لك منه ؟ قال : وما ذلك ؟ قال : مئة « 1 » دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك ، قال له : جعلت فداك إن لي لبنية ما في أذنها - علم الله - حلقة من الورق « 2 » فضلا عن الذهب ، وإن لي زوجة ما عليها - شهد الله - قميص ، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلعة « 3 » والفقر الذي عرّفتكهما وأضعفت لي ذلك ، لكان الصوت أحبّ إليّ ، وكان ابن عائشة تائها لا يغني إلا لخليفة ، أو لذي قدر جليل من إخوانه ، فعجب منه وغناه الصوت ، فطرب طربا شديدا وجعل يحرك رأسه حتى ظن أن عنقه ستنقصف ، ثم خرج من عنده ولم يزوّده « 4 » شيئا ، وبلغ الخبر الوليد بن يزيد ، فسأل ابن عائشة عنه فجعل يغيب عن الحديث ، فعزم عليه الوليد فعرفه ، فأمر بطلب الرجل فأحضره ووصله بصلة سنيّة وجعله من جملة ندمائه ووكّله بالسّقي ، فلم يزل معه حتى مات . قال يونس الكاتب « 5 » : كنا يوما متنزهين بالعقيق أنا وجماعة من قريش ، فبينا نحن [ على ] حالنا ، إذ أقبل ابن عائشة ومعه غلام من بني ليث وهو متوكّئ على يده [ ص 8 ] فلما رأى اجتماعنا وسمعني أغني ، جاءنا فسلّم وجلس إلينا وتحدث معنا ، وكانت الجماعة تعرف سوء خلقه وغضبه إذا سئل أن يغني ، فأقبل بعضهم على بعض يتحدثون بأحاديث ( كثيّر ) و ( جميل ) وغيرهما ،

--> ( 1 ) في الأغاني : ( مائتا دينار ) . ( 2 ) الورق : الفضّة [ المراجع ] . ( 3 ) في الأغاني ( الخلّة ) وهي أنسب للمعنى والسياق ، والخلّة : الحاجة والفقر . ( 4 ) في الأصل : يزده [ المراجع ] . ( 5 ) يونس الكاتب : يونس بن سليمان بن كرد بن شهريار ، من ولد هرمز ، كاتب شاعر بارع في صناعة الغناء ، منشؤه ومنزله بالمدينة ، أخذ الغناء عن معبد وطبقته ، وهو أول من دوّن الغناء في العرب ، صنف كتابا في الأغاني ونسبتها إلى من غنّى بها ، توفي سنة 135 ه . ( الأغاني 4 / 113 - 118 ط ساسي ، النويري 4 / 309 الوسائل إلى مسامرة الأوائل 137 ، الأعلام 8 / 261 ) .