أحمد بن يحيى العمري
78
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وطالعت فهرست « 1 » كتب الأوائل ، وطلبت ما احتجت إليه منها ، ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قط . وما كنت رأيته من قبل ، ولا رأيته أيضا من بعد . فقرأت تلك الكتب ، وظفرت بفوائدها ، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه « 2 » . فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها ، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ ، ولكنه اليوم معي أنضج ، وإلا فالعلم واحد لم يتجدّد لي بعده شيء ! « 3 » . وكان في جواري رجل يقال له : أبو الحسن العروضي « 4 » ، فسألني أن أصنف له كتابا جامعا في هذا العلم ، فصنّفت له : المجموع ، وسميته به ، وأتيت فيه على سائر العلوم ، سوى الرياضي ، ولي إذ ذاك إحدى وعشرون سنة من عمري ! .
--> ( 1 ) : الفهرست : بالكسر ، الكتاب إلي تجمع فيه الكتب ، معرّب فهرست ، وقد فهرست كتابه ، انتهى . كذا في القاموس - مادة فهرس - وقد وردت فيه بدون تاء - . وقال الزركشي في تعليقه على مصطلح الحديث لابن الصلاح : يقولون : فهرست ، وجعل التاء فيه للتأنيث ، ويقفون عليها بالهاء ، والصواب كما قاله ابن مكي في " تثقيف اللسان وتلقيح الجنان " : فهرست بإسكان السين ، والتاء فيه أصلية ، ومعناها في اللغة : جملة العدد للكتب ، لفظة فارسية ، واستعمل الناس فيها : فهرس الكتب يفهرسها فهرسة ، مثل دحرج ، وإنما الفهرسة اسم جملة العدد ، والفهرسة المصدر ، كالفذلكة ، يقال : فذلكت الكتاب إذا وقفت على جملته ، انتهى . قال الشهاب : أقول : ما في القاموس هو من كلام الليث ، وتحريره أن هذه اللفظة فارسية ، وفارسيتها بكسر الفاء وسكون الهاء وكسر الراء المهملة تليها سين مهملة ، ساكنة ثم مثناة فوقية ساكنة ، ومعناه : إجمال الأشياء لتعديد أسمائها وحصرها مطلقا على الترتيب ، ثم إنهم عرّبوه وصرفوه ، فقالوا : فهرس يفهرس فهرسة ، كدحرج . انظر : قصد السبيل للمحبي 2 / 347 - 348 ، و " تثقيف اللسان 59 " . ( 2 ) : انظر : وفيات الأعيان 2 / 158 ، وتاريخ الإسلام 29 / 222 ، وعيون الأنباء 439 . ( 3 ) : تاريخ مختصر الدول 188 ، وتاريخ الإسلام للذهبي 29 / 222 . ( 4 ) : هكذا في الأصل المخطوط : أبو الحسن ، وفي تاريخ الإسلام ، وعيون الأنباء : أبو الحسين العروضي .