أحمد بن يحيى العمري
57
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
عنهم ، ولا اهتدى لسبيلهم " « 1 » . وكان يتنقل في البلدان ، وكان كريما متفضلا بارّا بالناس ، محسنا إلى الفقراء ، يجري عليهم الجرايات الواسعة ، ويمرّضهم ، وكان لا يفارق التسويد والتبييض ، وكان في بصره رطوبة لكثرة أكل الباقلاء ، ثم عمي آخر عمره " . قال التنوخي « 2 » : " إن غلاما قدم الري وهو ينفث الدم ، فأحضر إليه الرازي ، فلم تظهر له علائم سل « 3 » ولا قرحة « 4 » . فسأله : متى بدأ به المرض ؟ . فقال : من الطريق . فسأله : عن المياه التي شربها في طريقه ؟ . فأخبره أنها من الصهاريج « 5 » ، ومستنقعات الأرض . فوقع في نفس الرازي أنه ابتلع علقة ، وأن نفث الدم منها . فقال له : إذا كان في غد ، جئتك فداويتك ، ثم لا أنصرف عنك حتى تبرأ ، بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك بما آمرهم . فقال : نعم . فلما أصبح أتاه بطحلب « 6 » كثير ، وقال له : ابتلع هذا ! ، فابتلع يسيرا ، ثم قال : لا أستطيع .
--> ( 1 ) : انظر : التعريف بطبقات الأمم لصاعد الأندلسي - 137 . ( 2 ) : القاضي المحسّن بن علي بن محمد بن أبي الفهم داود التنوخي البصري ، أبو علي ، قاض ، من العلماء الأدباء ، الشعراء ، ولد ونشأ في البصرة ، وولي القضاء في جزيرة ابن عمر ، وعسكر مكرم ، وتقلّد أعمالا . وسكن بغداد ، فتوفي فيها . سنة 384 هجرية . ومن كتبه : " الفرج بعد الشدة " وعنه نقل المصنف وابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء . وله كتاب : " نشوار المحاضرة " ، و " ديوان شعر " ، و " المستجاد من فعلات الأجواد " . انظر ترجمته في : وفيات الأعيان 1 / 445 ، ويتيمة الدهر 2 / 115 ، والنجوم الزاهرة 4 / 168 ، والأعلام للزركلي 5 / 288 . ( 3 ) : السل : مرض يصيب الرئة . ( 4 ) : القرحة : مرض يتقرح فيه الغشاء المخاطي للجهاز الهضمي . ( 5 ) : الصهريج : حوض يجتمع فيه الماء ، كلمة فارسية معربة . انظر : قصد السبيل 2 / 237 . ( 6 ) : الطحالب : نباتات تعيش في البحار والمياه الحلوة ، وهي من مستورات الزهر لا تتميز في أجسامها السيقان والأوراق والجذور .