أحمد بن يحيى العمري
58
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فأمر الغلمان بأن ينيّموه على قفاه ، ويفتحوا فاه ، ثم جعل يبلعه الطحلب كرها ، ويطالبه ببلعه ، والرجل يستغيث ! ، والرازي لا يكف ، إلى أن ذرع « 1 » الرجل القيء ، فقذف ما في جوفه ، وإذا به قد اعتلقت به علقة ، لأن الطحلب لما وصل إليها قرمت « 2 » إليه بالطبع ، والتفّت عليه . ثم قام الرجل معافى . وقال ابن معرّف « 3 » : " كان الرازي يقول : أنا لا أسمي فيلسوفا إلا من علم صناعة الكيمياء ، لأنه يكون قد استغنى عن [ التكسب من أوساخ ] الناس ، وتنّزه عما في أيديهم ، [ ولم يحتج إليهم ] . " وحكي أن الوزير أكل عند الرازي أطعمة استطابها ، فتحيّل في مشتري طباخته ثم لم يجد بطبيخها له ما في نفسه ، فسألها عن السبب ؟ فأخبرته أن قدور الرازي ، وما عونه كله ذهب وفضة ! . فسأله أن يعلمه علم الكيمياء . فأنكره ، فخنقه بوتر « 4 » . ومن كلامه قوله : " الحقيقة في الطب غاية لا تدرك ، والعلاج [ بما تنصه ] الكتب دون إعمال الماهر الحكيم برأيه خطر " . وقوله : " العمر يقصر عن الوقوف على فعل كل نبات في الأرض ، فعليك بالأشهر مما أجمع عليه ، [ ودع الشاذ ] ، واقتصر على ما جرّبت " .
--> ( 1 ) : يقال : ذرع القيء فلانا : أي غلبه وسبقه . انظر : القاموس مادة " ذرع " . ( 2 ) : قرمت أي : اشتدت شهوتها إليه ، وفي الأصل المخطوط " رمت " والصواب أثبتناه من عيون الأنباء 417 . ( 3 ) : ورد في الأصل المخطوط " ابن معروف " والصواب ما أثبتناه من طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة - ص 419 ، وترجمته فيه 571 ، وهو : بلمظفر نصر بن محمود بن المعرف . ( 4 ) : قال في تاريخ الإسلام : توفي ببغداد سنة 311 هجرية ، وكان على مارستان بغداد زمن المكتفي . انظر : تاريخ الإسلام 23 / 426 - 427 ، وعيون الأنباء - بتصرف - ص 419 .