أحمد بن يحيى العمري

47

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

عبد الله بن حمدان التغلبي « 1 » ، وأكرمه إكراما كثيرا ، وعظمت منزلته عنده ، وكان له مؤثرا . ونقلت من خط بعض المشايخ ، أن أبا نصر الفارابي سافر إلى مصر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة ، [ ورجع إلى دمشق ، وتوفي بها سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ] ، عند سيف الدولة علي بن حمدان ، وفي خلافة الراضي ، وصلى عليه سيف الدولة في خمسة عشر رجلا من خاصته « 2 » . ويذكر أنه لم يكن يتناول من سيف الدولة من جملة ما ينعم به عليه سوى أربعة دراهم فضة في اليوم ، يخرجها فيما يحتاجه من ضروري عيشه ، ولم يكن معتنيا بهيئة ، ولا [ منزل ] ولا مكسب . ويذكر أنه كان يغتذي بماء قلوب الحملان مع الخمر الريحاني فقط . ويذكر أنه كان في أول أمره قاضيا ، فلما شعر بالمعارف نبذ ذلك ، وأقبل بكليته على تعليمها ، ولم يسكن إلى نحو من أمور الدنيا البتة . ويذكر أنه كان يخرج إلى الحرّاس في الليل من منزله ، يستضيء بمصابيحهم فيما يقرؤه ، وكان في علم صناعة الموسيقى وعملها قد وصل إلى غاياتها ، وأتقنها إتقانا لا مزيد عليه . ويذكر أنه صنع آلة غريبة يسمع منها ألحان بديعة ، يحرك بها الانفعالات . ويذكر أن سبب قراءته للحكمة أن رجلا أودع عنده جملة من كتب أرسطوطاليس ، فاتفق أنه نظر فيها ، فوافقت منه قبولا وتحرك إلى قراءتها ، ولم يزل

--> ( 1 ) : صاحب حلب ، اشتهر بشجاعته وحمايته للعلماء منهم المتنبي ، وأبو فراس ، والفارابي الفيلسوف ، ورفع إليه أبو الفرج كتابه الأغاني . ( 2 ) : وكانت وفاته بدمشق ، وصلى عليه سيف الدولة ، وعاش نحوا من ثمانين سنة ، ومات في رجب ، سنة ثلاثمائة وتسعة وثلاثين ، ودفن بمقبرة باب الصغير .