أحمد بن يحيى العمري

29

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

تلميذه ، وله في الفلسفة كتب وأشعار ، وله في التأليف كلام لم يسبقه أحد إليه ، استنبط به صنعة الديباج ، وهو الكلام المنسوب إلى الخمس النسب التأليفية التي لا سبيل إلى وجود غيرها ، ثم استشرف إلى علم العالم كله ، وعرف موانع الأجزاء المؤتلفات الممتزجات باختلاف ألوانها ، وأصباغها ، وائتلافها على قدر النسبة ، فوصل إلى علم التصوير ، [ فوضع أول حركة جامعة لجميع الحركات ثم صنفها بالنسبة العددية ، ووضع الأجزاء المؤتلفة على ذلك فصار إلى علم تصوير التصويرات ] فقامت له صناعة الديباج ، وصناعة كل مؤتلف به . وله في الفلسفة كلام عجيب « 1 » . وكان قد أخذ في أول أمره في تعلم علم الشعر ، واللغة ، فبلغ من ذلك مبلغا عظيما ، إلى أن حضر يوما سقراطيس ، وهو يثلب « 2 » صناعة الشعر ، فأعجبه ما سمعه منه ، وزهد فيما كان عنده منه ، ولزم سقراط وسمع منه خمس سنين ، ثم مات سقراط ، فقصد مصر للقاء أصحاب فيثاغورس . وكان يتبع سقراط في الأشياء المحسوسة ويتبع فيثاغورس في الأشياء المعقولة . وكان يتبع سقراطيس في أمور التدبير « 3 » . ثم رجع إلى بلده « 4 » ، ونصب فيها بيتي حكمة ، وعلّم الناس ، وفعل الجميل ، وأعان الضعفاء . وكان حسن الأخلاق ، كريم الأفعال ، كثير الإحسان إلى كل ذي قرابة منه ، وإلى الغرباء . ثبتا ، حكيما ، صبورا ، وكان يرمز حكمته ، ويشير إليها ، ويتكلم بها ملغوزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة .

--> ( 1 ) : انظر : ابن أبي أصيبعة - عيون الأنباء 80 . ( 2 ) : أي : يعيب وينقص من شأنه . ( 3 ) : عيون الأنباء - 80 . ( 4 ) : أي : أثينا .