أحمد بن يحيى العمري

111

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

كل سمر ، وصدق منه حديث ابن عمر . هذا إلى توقير الملوك لجنابه ، وتوفير خاطره الذي لو شاء لجنى به ، وتعظيم حلّ به الذّرى ، وحلّي ببعضه الورى ، وخلى سهلا ما بين الثريا والثرى ، لعلم قصّر من لببه ، ومسك الناس بسببه ، وجال ما بين الخافقين وجاب به ، فامتدت الجداول من منبعه ، وعدّت يد الأنواء دون إصبعه ، وسرى صيته والرياح رواكد ، وشرّق في البلاد وغرّب والنجوم إلى الصباح رواصد ، وقطع في التصانيف النافعة شقق الأيام العريضة ، وجعل جناح النسر في الليالي الطوال مثل جناح البعوضة ، حتى طافت الأقطار وطارت في كل مطار ، وهاهي الآن ملتزمة في الأيدي مثل خطوط الراح ، وفي نظر العيون مثل فلق الصباح . وحدّثني شيخنا قاضي القضاة جلال الدين القزويني « 1 » - وقد جرى ذكره - قال : كانت الملوك تتقي حدّ لسانه ، حتى احتاج صاحب الألموت إلى إعمال الحيلة في مداراته ، وتسبب لمال قبله منه ، وأخافه لاستصلاح خاطره ، لأنه كان لا يزال يبحث في فساد عقيدته ، وتزييف أقواله ، فينفر الناس عن دعاته ، ويرد بالحرمان مساعي سعاته . وإذا كان هذا فعله بصاحب الألموت ، وهو الذي كان من عاداه يموت ، فكيف

--> ( 1 ) : محمد بن عبد الرحمن بن عمر ، أبو المعالي ، جلال الدين القزويني الشافعي ، المعروف بخطيب دمشق ، من أحفاد أبي دلف العجلي ، قاض ، من أدباء الفقهاء ، أصله من قزوين ، ومولده بالموصل ، ولي القضاء في ناحية بالروم ، ثم قضاء دمشق سنة 724 هجرة ، فقضاء القضاة بمصر سنة 727 هجرية ، ونفاه السلطان الناصر إلى دمشق سنة 738 هجرة ، ثم ولاه القضاء بها ، فاستمر إلى أن توفي . من كتبه : " تلخيص المفتاح " في المعاني والبيان ، والإيضاح في شرح التلخيص ، والسور والمرجان من شعر الأرجاني وكان حلو العبارة ، أديبا بالعربية والتركية ، والفارسية ، سمحا كثير الفضائل . انظر ترجمته في : مفتاح السعادة 1 / 168 ، و 2 / 217 ، وبغية الوعاة 66 ، وتاريخ ابن الوردي 3242 / ، والبدر الطالع 2 / 183 ، والبداية والنهاية 41 / 185 ، وستأتي ترجمته في هذا الكتاب مفصلة .