أحمد بن يحيى العمري

73

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ردنه « 1 » من كلّ جاذب ، فشرف مقاما ، وشرق « 2 » عدوه ملاما ، ولم يرمق الدنيا بمؤخر عين ولا مقدّم ، ولا علق بمال معاهد ولا مسلم . قال ابن الجلّاء : صحبت ستمائة شيخ ، ما لقيت فيهم مثل أربعة : أولهم : أبو تراب النخشبي . « 3 » قال أبو تراب : " الفقير قوته : ما وجده ، ولباسه : ما ستره ، ومسكنه : حيث نزل . " « 4 » وقال أيضا : " إذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل أن يعمله ، فإذا أخلص فيه وجد حلاوته ولذّته وقت مباشرة الفعل . " « 5 » وقال : " ما تمنّت نفسي عليّ شيئا قطّ إلا مرّة واحدة « 6 » : تمنّت عليّ خبزا وبيضا ، وأنا في سفري ، فعدلت عن الطريق إلى قرية ، فوثب رجل وتعلّق بي ، وقال : كان هذا مع اللصوص ! . فبطحوني ، وضربوني سبعين خشبة ، قال : فوقف علينا رجل صوفي ، فصرخ ، وقال : ويحكم ! ! هذا أبو تراب النخشبي ، فخلّوني ، واعتذروا إليّ ، وأدخلني الرجل منزله ، وقدّم لي خبزا وبيضا ، فقلت « 7 » : كلها بعد سبعين جلدة ! ! . « 8 »

--> ( 1 ) الرّدن ، بالضم : أصل الكم ، وجمعه أردان . ( 2 ) يقال : شرق بريقه إذا غصّ . " القاموس مادة شرق " . ( 3 ) وفي تاريخ الإسلام 18 / 350 قال أبو عبد الله بن الجلّاء لقيت ألفي شيخ ، ما لقيت فيهم من الصادقين إلا رجلين ، أحدهما أبو تراب النخشبي ، والآخر أبو عبيد البسري . وفي حلية الأولياء 10 / 220 : لقيت زيادة على خمسمائة شيخ ، ما لقيت مثل أربعة . . إلخ . ( 4 ) طبقات الصوفية للسلمي 149 / 10 ، وطبقات الأولياء لابن الملقّن 356 . ( 5 ) الرسالة القشيرية 1 / 108 ، وطبقات الصوفية 149 / 11 ، وطبقات ابن الملقّن 356 . ( 6 ) أي منذ أخذت في الرياضة . ( 7 ) أي في نفسي لنفسي . ( 8 ) الرسالة القشيرية 1 / 109 .