أحمد بن يحيى العمري

74

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وقال يوما لأصحابه : " من لبس منكم مرقّعة فقد سأل ، ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل ، ومن قرأ القرآن من المصحف ، أو كيما يسمع الناس ، فقد سأل . « 1 » ونظر يوما إلى صوفيّ من تلامذته قد مدّ يده إلى قشر بطّيخ ، وقد طوى ثلاثة أيام ، فقال له أبو تراب : " تمدّ يدك إلى قشر البطيخ ! ؟ أنت لا يصلح لك التصوف ، الزم السوق . « 2 » وكان أبو تراب يقول : " بيني وبين الله عهد أن لا أمدّ يدي إلى حرام إلا قصرت يدي عنه . « 3 » وكان - رضي الله عنه - إذا رأى من أصحابه ما يكره زاد في اجتهاده ، وجدّد توبته ، ويقول : " بشؤمي دفعوا إلى ما دفعوا إليه ، لأن الله عزّ وجلّ يقول : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ . « 4 » وحكى ابن الجلّاء ، قال : دخل أبو تراب مكة طيّب النفس ، فقلت : أين أكلت أيها الأستاذ ؟ . فقال : أكلة بالبصرة ، وأكلة بالنباج « 5 » ، وأكلة ههنا . توفي سنة خمس وأربعين ومائتين . قيل : مات بالبادية ، نهشته السباع . « 6 »

--> ( 1 ) حلية الأولياء 10 / 46 ، الرسالة القشيرية 1 / 109 ، طبقات ابن الملقّن 357 . ( 2 ) حلية الأولياء 10 / 49 ، الرسالة القشيرية 1 / 109 ، طبقات ابن الملقن 357 . ( 3 ) الرسالة القشيرية 1 / 109 . ( 4 ) سورة الرعد - الآية 11 . ( 5 ) النّباج : قرية من بادية البصرة ، على النصف من طريق مكة ؛ مثل " فيد " لأهل الكوفة ، وقد ذكرها البحتري في شعره فقال : إذا جزت صحراء النباج مغرّبا * وجارتك بطحاء السواجن يا سعد فقل لبني الضحّاك مهلا فإنني * أنا الأفعوان الصلّ والضيغم الورد ( 6 ) طبقات الصوفية للسلمي 147 ، حلية الأولياء 10 / 220 ، تاريخ الإسلام 18 / 351 .