أحمد بن يحيى العمري

51

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

فراقي لهم ، فقالوا : " إياك ومعاشرة الأحداث " . وقال أبو عبد الله بن الجلّاء : كنا في غرفة سريّ السّقطي ببغداد ، فلما ذهب بعض الليل ، لبس قميصا نظيفا ، وسروالا ، ورداء ، وقام ليخرج ، فقلت : إلى أين في هذا الوقت ؟ . فقال : أعود فتحا . فلما مشى في طرقات بغداد ، أخذه العسس ، وحبسوه ، فلما أصبح أمروا بضربه مع المحبوسين ، فلما رفع الجلّاد يده ، وقفت فلم يقدر أن يحرّكها ! ، فقيل للجلّاد : اضرب . فقال : حذائي شيخ واقف يقول : لا تضربه ! ! . فتقف يدي لا تتحرك ! ! . فنظروا ؛ من الرجل ؟ . فإذا هو " فتح الموصلي " فأطلقوه ، واعتذروا إليه ، لأنهم لم يعرفوه . وقال إبراهيم بن نوح الموصلي : رجع فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة ، وكان صائما ، فقال : عشّوني ! . فقالوا : ما عندنا شيء نعشّيك به . قال : فما لكم جلوس في الظّلمة ؟ . قالوا : ما عندنا شيء نسرج به ! . فجلس يبكي من الفرح ، وقال : " إلهي ! مثلي يترك بلا عشاء ؟ ! ، ولا سراج ! ! ، فأيّ يد كانت مني ؟ " . فما زال يبكي حتى الصباح « 1 » . وقال شعيب بن حرب : دخلت على فتح الموصلي أعوده ، وهو مريض ، فقلت له : يا أبا محمد ! أوصني . فقال : أليس الإنسان إذا منع من الطعام والشراب يموت ؟ قلت : نعم . قال : " فكذلك القلب إذا منع من الذكر يموت " . وروي أنه دخل على بشر الحافي فقال له : يا أبا نصر ! ابعث إلى السوق واشتر لنا خبزا جيدا ، وتمرا جيدا . ففعل بشر ذلك . فأكل الفتح منه ، وأكثر ، وحمل الباقي « 2 » فقال بشر لمن كان عنده : أتدرون لم قال : اشتر خبزا جيدا ، وتمرا جيّدا ؟ . فقالوا : لا . قال : لأن الطعام الصافي الجيّد يصفو لصاحبه عليه الشكر . ثم قال لهم : أتدرون لم أكثر الأكل ؟ . قالوا : لا . قال : لأنه علم أني أفرح بأكله ، فأراد أن يزيدني سرورا وفرحا . قال : أتدرون لم حمل

--> ( 1 ) طبقات الأولياء لابن الملقّن 277 . ( 2 ) تاريخ بغداد 12 / 382 ، وصفة الصفوة 4 / 185 ، واللمع 184 - 185 ، وطبقات الأولياء لابن الملقّن 276 .