أحمد بن يحيى العمري

379

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

يا ساكن القلب لا تنظر إلى سكني * واربح فؤادك واحذر فتنة الدعج « 1 » يا صاحبي وأنا البر الرؤوف وقد * بذلت نصحي بذاك الحي لا تعجي « 2 » فيه خلعت عذاري واطّرحت به * قبول نسكي والمقبول من حججي فابيضّ وجه غرامي في محبّته * واسودّ وجه ملامي فيه بالحجج « 3 » تبارك الله ما أحلى شمائله * فكم أماتت وأحيت فيه من مهج يهوى لذكر اسمه من لجّ في عذلي * سمعي وإن كان عذلي فيه لم يلج « 4 » وأرحم البرق في مسراه منتسبا * لثغره وهو مستحي من الفلج « 5 » تراه إن غاب عني كل جارحة * في كل معنى لطيف رائق بهج في نغمة العود والناي الرخيم إذا * تألفا بين ألحان من الهزج

--> ( 1 ) ساكن القلب : من قلبه غير مضطرب بلواعج المحبة والشوق . سكني : حبيبي . فالسكن : المرأة لأنه يسكن إليها " اللسان - مادة سكن " . والدعج : شدة سواد العين مع سعها مع شدة بياض بياضها " اللسان - مادة دعج " . يقول : يا من قلبه ساكن لا تنظر لوجه حبيبي الذي أسكن إليه ، فإنك لا تقدر قدر محبته وعشقه ، وكف بصرك عن الطمع في رؤية جماله ، واغتم قلبك لئلا يضيع من يدك ، واحذر الفتنة الحاصلة من الدعج . ( 2 ) يخاطب في هذا البيت والذي قبله ساكن القلب في صدق ورحمة به . يقول : لقد نصحتك أن لا تنظر إلى سكني - أي حبيبي - وأزيد على ذلك نصيحتي بأن لا تعج ولا تقف بحي الحبيب مخافة عليك أن تفتن بالمحبة وتقع في شرك البلاء والمحنة ، فقد خلعت عذاري - كناية عن عدم المبالاة بما يفعل - وألقيت عن قلبي الإقبال على غير الحق تعالى ، وأفردت توجهي إليه سبحانه ، ولم أشتغل عنه بقبول طاعة ولا عبادة . ( 3 ) ابيضاض وجه الغرام : بمعنى أنه صار مقبولا عنده وعند الحق تعالى . واسوداد وجه الملام : كونه غير مقبول عنده وعند الحق تعالى لأنه صد عن سبيل الله بالغفلة والجهل . ( 4 ) يقول : يحب سمعي العاذل الذي لج في عذله ، وبالغ في خصومته إياي من أجل سماع اسم الحبيب ، مع أن العذل لم يدخل في سمعي لكمال كراهته إياه . ( 5 ) الفلج : تباعد ما بين الأسنان . يقول : وارحم البرق لما حصل له من القصور الذي أوجب خجله لأنه شارك ثغر الحبيب في البريق واللمعان ، ولكنه خجل لما شاهد قصوره عن الفلج الذي زان ثغر الحبيب .