أحمد بن يحيى العمري

376

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

تقدّم كل الكائنات وجودها * قديما ولا شكل هناك ولا رسم وقامت بها الأشياء ثمّ لحكمة * بها احتجبت عن كل من لا له فهم « 1 » وهامت بها روحي بحيث تمازجا اتّ * حادا ولا جرم تخلله جرم « 2 » فخمر ولا كرم وآدم لي أب * وكرم ولا خمر ولي أمها أمّ « 3 » وقد وقع التفريق والكلّ واحد * فأرواحنا خمر وأشباحنا كرم « 4 » محاسن تهدي الواصفين لوصفها * فيحسن فيها منهم النثر والنظم ويطرب من لم يدرها عند ذكرها * كمشتاق نعم كلما ذكرت نعم « 5 » وقالوا : شربت الإثم ! كلّا وإنما * شربت التي في تركها عندي الإثم هنيئا لأهل الدير كم سكنوا بها * وما شربوا منها ولكنهم همّوا « 6 » فعندي منها نشوة قبل نشأتي * معي أبدا تبقى وإن بلي العظم « 7 »

--> ( 1 ) قامت : ثبتت وتعينت من غير وجود لها في نفسها ، وإنما ثبوتها وتعينها بالوجود العلمي الإلهي . وقوله : ثم : أي : هناك . إشارة إلى حضرة قيوميتها على الممكنات . ( 2 ) الاتحاد : يقصد الناظم رضي الله عنه - بالاتحاد هنا : اتحاد العالم بالمعلوم من حيث هو معلوم لا من حيث ظهوره عنه في الخارج عن علمه ، وليس الاتحاد بمعنى تخلل الجسم في الجسم ، - كما شنع بذاك المحجوبون والمخذولون - على الصوفية - وهم بريئون من ذلك - رضي الله عنهم ، وعنا بهم ، ونفعنا ببركاتهم في الدارين . ( 3 ) أي : فخمر موجودة وهي المدامة المذكورة ، ولا كرم - أي العنب - ، موجود . وكنى بالكرم عن المخلوقات وآدم أبو البشر أول مخلوق من هذا النوع الإنساني ، والضمير في " أمها " للمدامة . أي : وكرم موجودة ، ولا خمر موجودة في حال كون أم الخمر ، بمعنى : المدامة المذكورة أما موصوفة بأنها كائنة لي . ( 4 ) وأن التفريق بينهما واقع في حال نموها وزيادتها . وقوله : " والكل واحد " أي هو وجود واحد . وقوله : " كرم " أي : بمنزلة الكرم وهو العنب المتضمن للعصير الروحاني ، الذي يكون خمرا فيسكر العقول بما يلقى إليها من العلوم والحقائق . ( 5 ) قوله : لم يدرها : أي لم يعرفها بطريق الذوق ، وإنما عرفها بطريق الشوق . ( 6 ) أهل الدير : يعني بهم أرباب المعارف الإلهية ، وأصحاب المحبة الربانية ، والسكر بالمدامة عبارة عن وجدان المعرفة الحقيقية . ( 7 ) يقول : إن نشوة هذه المدامة حصلت عنده من مبادئ عمره وهي لا تزال باقية في داخل سره ، وأنه لو بلي ولم يبق له أثر فلا تزول هاتيك النشوة بل تدوم بعد الجسد المعدوم .