أحمد بن يحيى العمري
375
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وإن خطرت يوما على خاطر امرئ * أقامت به الأفراح وارتحل الهمّ « 1 » ولو نظر الندمان ختم إنائها * لأسكرهم من دونها ذلك الختم « 2 » ولو طرحوا في فيء حائط كرمها * عليلا وقد أشفى ، لفارقه السقم ولو قرّبوا من حانها مقعدا مشى * وينطق من ذكرى مذاقتها البكم ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها * وفي الغرب مزكوم لعاد له الشمّ ولو خضبت من كأسها كف لامس * لما ضلّ في ليل وفي يده النجم ولو جليت سرا على أكمه غدا * بصيرا ومن راووقها تسمع الصّمّ « 3 » ولو أن ركبا يمموا ترب أرضها * وفي الركب ملسوع لما ضرّه السمّ « 4 » ولو رسم الراقي حروف اسمها على * جبين مصاب جنّ ، أبرأه الرسم تهذب أخلاق الندامى فيهتدي * بها لطريق العزم من لا له عزم ويكرم من لم يعرف الجود كفه * ويحلم عند الغيظ من لا له حلم ولو نال فدم القوم لثم مدامها * لأكسبه معنى شمائلها اللثم يقولون لي صفها فأنت بوصفها * خبير ، أجل ، عندي بأوصافها علم صفاء ولا ماء ، ولطف ولا هوا * ونور ولا نار ، وروح ولا جسم « 5 »
--> ( 1 ) وإن خطرت هذه المدامة على خاطر سقيم ، أذهبت سقامه وجلبت له الفرح إلى يوم القيامة . ( 2 ) كنى بالندمان عن السالكين في طريق الله تعالى ، وختم إنائها عن أثر التجلي الرباني في قلب العبد والنظر إليه كناية عن التحقق به ، وكنى بإنائها عن النفس الإنسانية . ( 3 ) الأكمه : الأعمى يولد أعمى " اللسان - مادة كمه " . الراووق : المصفاء " اللسان - مادة روق " ، يقول : لو جليت هذه المدامة في السر لا في الجهر على أعمى صار بصيرا ، ولو أصغى الأصم الذي لا يسمع إلى صوتها وهي تسكب في الراووق لتصفى لعاد إليه سمعه . ( 4 ) الملسوع : من اللسع ، واللسع لما ضرب بمؤخره ، واللدغ : لما كان بالفم ، " اللسان - مادة لسع " . ( 5 ) هذا البيت صريح في أن المدامة التي يعنيها ابن الفارض رضي الله عنه ذات صفاء لكن ليس صفاء كصفاء الماء ، بل هو صفاء معنوي ليس مما يؤخذ من الماء ، وأنها ذات لطف ليس لطفا من الهواء مأخوذ كلطف المحسوسات ، وأنها ذات نور لا يؤخذ من النار ، وأنها روح لا جسم لها كبقية الأرواح ، ومن هذا يتضح أنها خمر معنوية وأوصافها ربانية ، أذاقنا الله قطرة من شربها بجاه مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن أحبنا وأحببناه .