أحمد بن يحيى العمري
374
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
هيهات وا أسفي لو كان ينفعني * أو كان يجدي على ما فات وا ندمي عني إليكم ظباء المنحنى كرما * عهدت طرفي لم ينظر لغيرهم طوعا لقاض أتى في حكمه عجبا * أفتى بسفك دمي في الحل والحرم أصمّ لم يسمع الشكوى وأبكم لم * يحر جوابا وعن المشوق عمي وقوله [ من البحر الطويل ] « 1 » شربنا على ذكر الحبيب مدامة * سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم « 2 » لها البدر كأس وهي شمس يديرها * هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم « 3 » ولم يبق منها الدهر غير حشاشة « 4 » * كأن خفاها في صدور النهى كتم فإن ذكرت في الحي أصبح أهله * نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم « 5 » ومن بين أحشاء الدنان تصاعدت * ولم يبق منها في الحقيقة إلا اسم « 6 »
--> ( 1 ) وهي القصيدة الشهيرة بالخمرية ، وهو ما أسماها به شراحها ، حيث أن الخمر لحمة القصيدة وسداها ، وهذه القصيدة مكونة من 41 بيتا ، انظرها في الديوان - صفحة 327 وما بعدها . ( 2 ) الحبيب : يعني به ذات الله سبحانه وتعالى . والمدامة : يريد بها المعرفة الإلهية والشوق إلى الله تعالى . يقول : طربت أرواحنا وانتعشت وانتشت على سماع أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قبل إيجاد أشباحنا ، والمقصود بالكرم هنا : الوجود الممكن الحادث . ( 3 ) المقصود بالبدر هنا : نبينا وحبيبنا وسيدنا وسيد الخلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والأنبياء بعد ، ثم العارفون من أمته ، وأما الهلال الذي يديرها : فهو المبلغ عن العارف كأصحاب الأنبياء وتلاميذ العارفين . يقول : إذا مزجت المعرفة اللدنيّة بالمدارك الشرعية ظهر نور يهتدي به مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " . ( 4 ) الحشاشة : بقية الروح في المريض " اللسان مادة حشش " . والخفاء : الستر والإظهار ، فهو من الأضداد ، والمراد هنا : الإظهار " اللسان مادة خفي " . والنهي : جمع نهية : العقل . الكتم : الستر والإخفاء . ( 5 ) إشارة إلى أن ذكر الخمر يوجب النشوة لأهل حي الذكر حتى الصباح . ( 6 ) يقول : لم يبق منها في الحقيقة إلا الاسم ، وفي هذا إشارة إلى اضمحلال الكمالات الوجودية ، وفناء المعارف الإنسانية ، وهذا دليل على تقاصر الهمم الروحانية عن نيلها وطلبها .