أحمد بن يحيى العمري

37

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وإن كنت والله أعرفه الرجل الكريم العشرة ، الحسن الخلق ، يوهم من شاهده من لينه أنه داخل في حكم العامة . فقال لي : ما عزمت على لقائه حتى وطّنت نفسي على احتمال مشاهدتي أخلاقه . ثم قال : ويحك يا سفيان ! ، إن شرف التقوى شرف لا يزاحم عليه بإمرة ولا خلافة ! . فأدّيت ذلك إلى الفضيل ، فقال : إنه لحسن العقل ، لولا ما ضرب به من فتنة هذه العاجلة ! . ويسوؤني أيضا ، فأما ما يسؤوني منه فلم أر مثله يرفل في سوابغ النعم عريانا من الشكر ، ثم قطّب بين عينيه ، وقال : ما قدر من كان لله عاصيا ؟ . لا حاجة لي في لقائه . فلم أزل أرفق به حتى أذن ، فرجعت إلى الرشيد فأعلمته ، وقلت له : ليس يطمع فيه إلا وقت إفطاره ، وكان إفطاره كاختطاف الطائر حبّه . فركب الرشيد ، ولبس مبطنة ، وطيلسانا ، وغطاء رأسه ، ومعه مسرور الخادم ، وأنا ؛ فدققت الباب ؛ فنزل وفتح ، ودخل ، ودخلت معه ، ووقف مسرور على الباب ، فسلّم عليه الرشيد قائما ، فتشمّ منه رائحة المسك ، فقال الفضيل : " اللهمّ ! إني أسألك رائحة الخلد التي أعددتها لأوليائك المتقين في جنات النعيم " . ثم تبادرت دموعه على لحيته ، فقلت : يا أبا علي ! هذا أمير المؤمنين واقف يسلّم عليك ، فرفع رأسه ، وقال : وإنك لهو يا حسن الوجه ؟ . ونظر إلى الرشيد وهو يبكي ، فقال له : اعلم أن الأحكام قد سلبت فضيلة العدل ، وهو في صحيفتك يدرج معك في كفنك ليوم النشور ، وقد بدا إليك سرعة نفاذ ما أنت فيه من تقدّمك من آبائك ، ثم نهض ، وقال : " الله أكبر " . فقلت له : يا أمير المؤمنين ! أما إذا افتتح الصلاة فليس فيه حيلة . وانصرفنا . فقال الرشيد وهو خارج : لولا خجلي منك لقبّلت ما بين عينيه ، فقلت له : والله لوددت أن فعلت ! .