أحمد بن يحيى العمري
366
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
حل . فقلت : يا سيدي ! ما قلته إلا غيرة . فقال : يا أبا بكر ! لا تتهم أقواما انتخبهم الحق في سابق علمه ، وأظهرهم بكرامة وحدانيته ، حتى إذا كان في وقت بدوّهم ، استخرجهم من الذرّ لخاصّته ، وعجن أرواحهم بأنوار قدسه ، وأقامهم بين يديه ، ونظر إليهم بعين رحمته ، وألبسهم تيجان ولايته ، فإن دعوه أجابهم ، وإن سألوه أعطاهم ، وإن استحجبوه غطّاهم ، لا تدركهم خفيات الألحاظ ، ولا يغيرهم ترجمان الأسرار ، فهم به ينظرون ، وإليه في جميع الأشياء عن الأشياء مستغنون . فنظرت ، فلم أرهم ! . ومنهم : 104 - أبو الحسين بن بنان « 13 » من كبار مشايخ مصر ومقدّميهم . أدّى للآخرة فرضها ، ووفى من الدنيا قرضها ، ولم يرض بعاجل أجله بوس ، وأجن صفوه ذهاب نفوس ، وحبال البلايا آسره ، وعقاب المنايا كاسره ، ومناسر الأهلّة خواطف ، ونواشر الأيام المملة غير عواطف ، ونوب الليالي سجال ، وريب الحدثان المتوالي عجال ، فلم ير زخارف الغرور من حظه ، ولا رمق رونقها الزور إلا بمؤخّر لحظه ، حتى طفئت الشرارة ، وحل القرارة ، وودّع متبوعا بالبكاء ، ممنوعا من البلاء . صحب الخرّاز ، وإليه ينتمي « 1 » . مات في التيه « 2 » ، وسببظ ذلك : أنه ورد على قلبه وارد ، فهام على وجهه ، فلحقوه في وسط
--> ( 13 ) انظر ترجمته في : طبقات الصوفية للسلمي 389 ، حلية الأولياء 10 / 362 ، حسن المحاضرة 1 / 293 ، الرسالة القشيرية 36 ، نتائج الأفكار القدسية 1 / 199 ، طبقات الشعراني 1 / 132 . ( 1 ) الرسالة القشيرية 1 / 173 ، وطبقات الصوفية للسلمي 389 . ( 2 ) التيه : أرض بين أيلة ومصر ، وبحر القلزم ، وجبال السراة ، من أرض الشام ، والغالب على أرض التيه الرمال ، وفيها مواضع صلبة ، وبها نخيل وعيون مفترشة قليلة ، يتصل حد من حدودها بالجار وحد بجبل طور سيناء ، وحدر بأرض بيت المقدس ، وما اتصل به من فلسطين ، وحد ينتهي إلى مفازة في ظهر ريف مصر إلى حد القلزم . انظر : معجم البلدان لياقوت 2 / 912 .