أحمد بن يحيى العمري

365

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

السلام : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ « 1 » ، فصحت من طيب تلاوته ، ورخامة صوته ، وانتبهت ، وإذا عيني المقلوعة صحيحة ! . وقال الزقّاق : " كنت مارّا في تيه بني إسرائيل ، فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين « 2 » لعلم الشريعة ، فهتف بي هاتف من تحت الشجرة : كل حقيقة لا تتبع الشريعة فهي كفر . وقال أبو علي الروذباري : دخلت يوما على أبي بكر الزقاق ، فرأيته بحالة عجيبة « 3 » ، فسكتّ ساعة حتى رجع إلي ، فقلت له : ما لك أيها الشيخ ! ؟ . فقال : ألم تعلم أني اجتزت بالجيزة ببعض تلك الخوخات ، وإذا شخص يغني ، يقول : أبت غلبات الشوق إلا تطربا * إليك ويأتي العذل إلا تحببا وما كان صدى عنك صدّ ملامة * ولا ذلك الإقبال إلا تقربا ولا كان ذاك العدل إلا نصيحة * ولا ذلك الإغضاء إلا تهيّبا عليّ رقيب منك حلّ بمهجتي * إذا رمت تسهيلا عليّ تصعّبا فما هو إلا أن أنشدني الشيخ حتى صرت فيها مغلوبا لا أدري ما لحقني إلى الساعة ، فلما أفقت ، قال لي : لا عليك ، هكذا من تحقق في بلية لم يخل من البلاء حاضروه ، وإنما هو زيادة بلاء صبّ مني عليك ، فقمت وتركته . وقال الزقاق : كنت أبكر يوم الجمعة إلى المسجد الجامع ، وأجلس عند الجنيد ، فبينا أنا ذات يوم جمعة أمشي إلى المسجد إذا أنا باثنين يقولان : اذهب بنا إلى الجنيد نسأله ؟ . قال الزقاق : فتبعتهما ، حتى دخلا سقاية يتطهران ، فرأيت منهما شيئا كرهته لهما ، فقلت : " إنا لله وإنا إليه راجعون " ، أخطأت فراستي فيهما ، فخرجا ، وأنا أتبعهما حتى وقفا على الجنيد ، فقال أحدهما : بماذا يرد خاطر الانزعاج ؟ . وقال الآخر : كلّ باد يعود إلى باديه . فقلت في نفسي : يا ترى ما يفعل هؤلاء ؟ . فأقبل عليّ الجنيد ، وقال : أين المغتاب لنا ؟ . فقلت في نفسي : علم بي ، وتكلّم على خاطري . ثم قال الثانية : أين المغتاب لنا ؟ . سلنا نجعلك في

--> ( 1 ) سورة الرحمن - الآية 46 . ( 2 ) أي : مغاير ، ومفارق . ( 3 ) كأنه رضي الله عنه كان في حالة غيبة ، أو دهش واصطلام .