أحمد بن يحيى العمري
360
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
فجعلت تأكل من هذا ، وتشرب من هذا . فقلت : حسبي ، قد تبت ، ولزمت الباب إلى أن قبلني الله عز وجل « 1 » وقال : " توبة العوام تكون من الذنوب « 2 » ، وتوبة الخواص تكون من الغفلة . « 3 » " وقال محمد بن أحمد السميساطي : سمعت ذا النون المصري يقول : بينا أنا أسير في جبال أنطاكية ، إذا أنا بجارية كأنها والهة مجنونة ، عليها جبة صوف ، فسلّمت عليها ، فردّت عليّ السلام ، ثم قالت : ألست ذا النون المصري ؟ . قلت : عافاك الله ، كيف عرفتيني ؟ . قالت : فتق الحبيب بيني وبين قلبك فعرفتك باتصال حب الحبيب . ثم قال : أسألك مسألة . قلت : سليني . قالت : أي شيء هو السخاء ؟ . قلت : البذل والطاعة . قالت : هذا السخاء في الدنيا ، فما السخاء في الدين ؟ . قلت : المسارعة إلى طاعة المولى . قالت : فإذا سارعت إلى طاعة المولى ، يجب به الجزاء ؟ . قلت : نعم ! ، للواحد عشرة . فقالت : مر يا بطّال ! هذا في الدين قبيح ، ولكن المسارعة إلى طاعة المولى أن يطّلع على قلبك ، وأنت لا تريد منه شيئا بشيء . ويحك يا ذا النون ! ، إني أريد أقسم عليه في طلب شهوة منذ عشرين سنة فأستحي منه أن أكون كأجير السوء إذا عمل طلب الأجرة ، ولكن اعمل تعظيما لهيبته ، وعزّا لجلاله . ثم ذهبت وتركتني . وقال : أتتني امرأة فقالت لي : إن ابني أخذه التمساح الساعة ! ، فرأيت حرقتها ، فأتيت
--> ( 1 ) الرسالة القشيرية 1 / 59 - 60 ، وطبقات الأولياء لابن الملقن 219 . ( 2 ) قال العروسي في شرح الرسالة : " اعلم أنهم يريدون من العوام : القائمين بما عليهم من أحكام الأوامر والنواهي " ، ثم قال : " حرية العامة بالتخلص من رق الشهوات ، والخاصة بالتخلص من رق العادات ، وخاصة الخاصة بالتخلص من الوقوف مع الأحوال والمقامات ، حيث تكون لهم أنفة لا ترضى إلا بمشاهدة الذات " . ( 3 ) أي الغفلة عن الطاعات ، وانظر : طبقات الأولياء لابن الملقن 220 / 5 ، والرسالة القشيرية 1 / 61 .