أحمد بن يحيى العمري

36

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

وقال الفضيل : " لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ ولا أحاسب بها لكنت أتقذّرها ، كما يتقذّر أحدكم الجيفة إذا مرّ بها أن تصيب ثوبه " « 1 » وقال : " ترك العمل لأجل الناس هو الرياء « 2 » ، والعمل لأجل الناس « 3 » هو الشرك " . وقال أبو علي الرازي : صحبت الفضيل ثلاثين سنة ، ما رأيته ضاحكا ، ولا مبتسما « 4 » ، إلا يوم مات ابنه علي ، فقلت له في ذلك ؟ . فقال : " إن الله أحبّ أمرا فأحببت ذلك " . وقال الفضيل : " إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي " . « 5 » حكى في " مناقب الأبرار " « 6 » عن سفيان بن عيينة - رضي الله عنه قال : قال لي الرشيد : أريد أن ألقى الفضيل بن عياض ، لعلّ الله أن يحدث لي عظة أنتفع بها . فقلت له : والله ! إنّ ذلك لحبيب إليّ ، ولكنه رجل قد أخذ نفسه بخدمة الله تعالى ، فما لأحد فيه حظ ، وأكره أن تراه متصوفا في بعض حالاته من عبادة ربه - عزّ وجلّ - فتوهم عليه جفاء ،

--> ( 1 ) ويحكى أن الرشيد قال له يوما : ما أزهدك ! ، فقال الفضيل : أنت أزهد مني ! . قال : وكيف ذلك ؟ . قال : لأني أزهد في الدنيا ، وأنت تزهد في الآخرة ، والدنيا فانية ، والآخرة باقية . ( 2 ) أي أن العمل لأجل ثناء الناس يكون هو الرياء بعينه . ( 3 ) أي العمل حبا في المحمدة ؛ أو نيلا لعرض فان . ( 4 ) فيه دليل على كمال حزنه في سائر أوقاته رضي الله عنه ، وإنما يتكلف الضحك والسرور بموت ولده على خلاف عادته ، لأنه علم أن الله تعالى يحب منه هذه الحالة ، لكونه دليل الرضا بقضائه سبحانه وتعالى . قال ابن خلّكان : وكان ولده المذكور شابا سريا من كبار الصالحين ، وهو معدود من جملة من قتلتهم محبة الباري سبحانه وتعالى ، وهم مذكورون في جزء سمعناه قديما ولا أذكر الآن من مؤلفه " انظر : وفيات الأعيان " 4 / 49 . ( 5 ) أي بأن يتعاصى عليه حماره ، وهذا يفعله الله سبحانه حفظا لأوليائه إذا قصروا في أحوالهم فيما بينهم وبينه ، أدّبهم ليرجعوا إليه بسرعة ، وتارة يعكس عليهم أسباب دنياهم ، وتارة أخرى أسباب آخرتهم من تغير قلوبهم ، وعدم نشاطهم ، فإذا رجعوا إليه بالتذلل والسؤال منّ عليهم بشريف نواله . ( 6 ) مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار ، تأليف الشيخ الإمام تاج الإسلام أبي عبد الله حسين بن نصر بن أحمد المعروف بابن خميس الموصلي الشافعي ، المتوفى سنة 552 هجرية ، وهو على طراز الرسالة القشيرية ، وقد اختصره وذكر فيه أنه تتبع مسموعاته ، وممّا جمعه العلماء من أخبار الصالحين ، كطبقات السلمي ، والحلية ، وبهجة الأسرار ، وتهذيب الأسرار ، والرسالة القشيرية ، فجمع الجميع بحذف الأسانيد . " انظر : كشف الظنون " لحاجي خليفة 2 / 1835 " .