أحمد بن يحيى العمري

338

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ومنهم : 95 - محمد المرجاني أبو عبد الله مداوي قلوب من أشجان ، وسرّ أبوين يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان . كان جدى للنساك ، وهدى للسلّاك ، وقطبا للأبدال ، وحربا لمن أكثر في الحق الجدال ، بكلام يدلّ على وصول ، وبلوغ قصد وحصول ، وطبّقت بلاد أفريقية سمعته ، ووسع فرق أهلها رحب صدره وسعته ، ثم عمّ الشرق والغرب ، وملك حبة القلوب بالطلوع والضب ، ولم يزل ذكره بالأفواه منتهبا ، وفجره في رداء الشفق ملتهبا ، وصيته يطير متهما ومنجدا ، وإذا سمعه الذين يخشون الرحمن خرّوا بكيّا وسجّدا ، حتى حان حينه ، وانتهى إلى القبر نينه ، فارتقت إلى السماء روحه ، وأشرقت في مطالع الشموس نوحه . وكانت الوزراء بمصر تستدعيه إلى حضرتها ، وهو من مكانه لا يريم ، ولا يزال يحافظ على أوطانه محافظة كريم . قرأ القرآن الكريم ، وتفقّه على مذهب الإمام مالك - رضي الله عنه - ولقي العلماء ، وأخذ عن المشايخ ، وصحب الرجال ، وأحبّ الزهّاد ، واقتدى بالعبّاد ، واعتكف بالمساجد ، وتأدب بالكتاب والسنة ، ولازم العبادة ، وتقرّب إلى الله تعالى بالنوافل ، وتخير لمكسبه ، وتوفي في سببه ، وتورّع عن كثير من الحلال خوف الشبهات ، ونزه عن دنايا الدنيا وظهرت عليه أمائر القبول « 1 » ، ولوائح القرب ، ودام على الاجتهاد ، وقام قيام الزهّاد ، وبقي يذكر الله تعالى ويحض على التوجه إليه ، والإقبال على ما يزلف عنده . حكي أن رجلا قصد زيارته ، فلما كان ببعض الطرق ، نزل عن حماره لحاجة عرضت له ، فشرد الحمار ، فقام في طلبه ، فلم يجده ، فرجع ، وتم ماشيا ، حتى أتى الشيخ ، فسلّم عليه ، وجلس ناحية منه ، فالتفت الشيخ إليه ، وقال له : طب نفسا ، فإن حمارك وصل إلى أهلك . فلما عاد الرجل إلى أهله وجد الحمار ، فسأل : من أين وصل إليهم ؟ . فقالوا : إن رجلا أتى به السوق ليبيعه ، فعرفه بعض بني عمك ، فأخذه ، وحمله إلى والي البلد ، فسأله عن الحمار ؟

--> ( 1 ) أي أمارات القبول وهي علاماتها .