أحمد بن يحيى العمري
323
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
الذاكر ذلك ، كان الذكر يعمل بخاصيته ، وما تقتضيه حقيقته " . وأنشد : أهوى هواه وبعدي عنه يغيبه * فالبعد قد صار لي في حبه أربا فمن رأى دنفا صبّا أخا شجن * ينأى إذا حبة من أرضه اقتربا وقال : الذكر حجاب عن المذكور ، ولكونه بمنزلة الدليل ، والدليل متى أعطاك المدلول سقط عنك لتحققك بالمدلول ، فمتى كنت مع المذكور فلا ذكر ، ومتى رددت الباب وجب الذكر عليك ، والذكر للقلب بمنزلة الصقال للمرآة ، ليتحقق بالحق صفاؤه وجلاؤه . وقال : " مثل الذاكر اللاهي كمثل من ينادي شخصا فإذا أجابه اشتغل عن سماعه ، وكذلك الذاكر يأتيه المذكور فلا يجده حاضرا ، وإنما الأصل المراقبة للمذكور ، فمتى أجابك كنت معه ، وهذا هو الأصل ، والله أعلم " . وقال في معنى الحديث : ( ما اتخذ الله وليا جاهلا ) « 1 » : إن معناه أن الله سبحانه وتعالى إذا اختصّ له وليا نوّر قلبه ، فكان على بصيرة من ربه " . وقال في معنى قوله : إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ « 2 » قال : قيل لي في المنام : تدري ما الواحدة ؟ . إنما أعظك بنفسك والباء ها هنا باء السبب .
--> ( 1 ) قوله ( ما اتخذ الله من ولي جاهل ، ولو اتخذه لعلّمه ) قال في المقاصد : لم أقف عليه مرفوعا ، وقال الحافظ ابن حجر : ليس بثابت ، ولكن معناه صحيح ، والمراد بقوله " ولو اتخذه لعلمه " لو أراد اتخاذه وليا لعلّمه ثم اتخذه وليا . وقال ابن حجر المكي في فتاواه : معنى قولهم : إن الله تعالى يفيض على أوليائه الذين انتقوا الأحكام الظاهرة والأعمال الخالصة من مواقع الإلهام والتوفيق ، والأحوال والتحقيق ، ما يفرقون به على من عداهم ، فمن ثبتت له الولاية ثبتت له تلك العلوم والمعارف ، فما اتخذ الله وليا جاهلا بذلك ولو فرض أنه اتخذه أي أهّله إلى أن يصير من أوليائه ، لعلّمه . أي لألهمه من المعارف ما يلحقه به غيره . فالمراد الجاهل بالعلوم الوهبية والأحوال الخفية لا الجاهل بمبادئ العلوم الظاهرة مما يجب تعلمه فإن هذا لا يكون وليا ولا يراد للولاية ما دام على جهله بذلك ، انتهى ، والله أعلم . انظر : كشف الخفاء للعجلوني 2 / 180 - 181 . ( 2 ) سورة سبأ - الآية 46 .